«إنّا سنلْقي عليْك قوْلًا ثقيلًا» (5:المزمل) وثانيا: أن هذا الذي يصدع به النبىّ ويخرجه من صدره، هو مما تتزوّد به النفوس، وتحيا عليه القلوب، كما تتزود الأجساد بما تخرج الأرض من حب وثمر، يمسك وجودها، ويحفظ حياتها ..
قوله تعالى: «إنّا كفيْناك الْمسْتهْزئين الّذين يجْعلون مع اللّه إلهًا آخر فسوْف يعْلمون» هو تطمين للنبىّ، وتثبيت له على طريق دعوته، وعون من الله له، على أداء مهمته الثقيلة. وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيتولى حساب هؤلاء الذين يقفون في طريقه، يهزءون به، ويسخرون منه، وليس هذا منهم وحسب، بل إنهم ليجعلون مع الله إلها آخر .. فجريمتهم جريمتان .. استهزاء بالنبيّ، وكفر بالله، وواحدة منهما مهلكة لمقترفها، فكيف بمن اقترف الجريمتين معا؟.
-وفى قوله تعالى: «فسوْف يعْلمون» تهديد ووعيد لهؤلاء المستهزئين بالرسول، الكافرين بالله .. [1]
والرسول - صلى الله عليه وسلم - بشر لا يملك نفسه أن يضيق صدره وهو يسمع الشرك باللّه، ويسمع الاستهزاء بدعوة الحق. فيغار على الدعوة ويغار على الحق، ويضيق بالضلال والشرك.
لهذا يؤمر أن يسبح بحمد ربه ويعبده، ويلوذ بالتسبيح والحمد والعبادة من سوء ما يسمع من القوم. ولا يفتر عن التسبيح بحمد ربه طوال الحياة، حتى يأتيه اليقين الذي ما بعده يقين .. الأجل .. فيمضي إلى جوار ربه الكريم: «ولقدْ نعْلم أنّك يضيق صدْرك بما يقولون (97) فسبّحْ بحمْد ربّك وكنْ من السّاجدين (98) واعْبدْ ربّك حتّى يأْتيك الْيقين (99) .
ويكون هذا ختام السورة .. الإعراض عن الكافرين واللواذ بجوار اللّه الكريم. أولئك الكافرين الذين سيأتي يوم يودون فيه لو كانوا مسلمين ..
إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة والجهر بكل مقوّماتها وكل مقتضياتها. ضرورة في الحركة بهذه الدعوة فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية ويوقظ المشاعر المتبلدة ويقيم الحجة على الناس «ليهْلك منْ هلك عنْ بيّنةٍ ويحْيى منْ حيّ عنْ بيّنةٍ» أما التدسس
(1) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 264)