فهرس الكتاب

الصفحة 431 من 3472

قواعد الْحنيفيّة، فلا جرم كان الرسول صلى الله عليه وسلم بدعْوته النّاس إلى الْإسْلام داعيًا إلى اتّباع ملّة إبْراهيم.

ومخاطبة اللّه رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا الْأمْر في حين أنّه داعٍ إلى الْإسْلام وموافقٌ لأصول ملّة إبْراهيم دليلٌ على أنّ صيغة الْأمْر مسْتعْملةٌ في طلب الدّوام على الدّعْوة الْإسْلاميّة مع ما انْضمّ إلى ذلك من الْهداية إلى طرائق الدّعْوة إلى الدّين.

فتضمّنتْ هذه الْآية تثْبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على الدّعْوة وأنْ لا يؤيّسه قوْل الْمشْركين له إنّما أنْت مفْترٍ [سورة النّحْل:101] وقوْلهمْ: إنّما يعلّمه بشرٌ [سورة النّحْل:103] وأنْ لا يصدّه عن الدّعْوة أنّه تعالى لا يهْدي الّذين لا يؤْمنون بآيات اللّه. ذلك أنّ الْمشْركين لمْ يتْركوا حيلةً يحسبونها تثبّط النّبي صلى الله عليه وسلم عنْ دعْوته إلّا ألْقوْا بها إليْه منْ: تصْريحٍ بالتّكْذيب، واسْتسْخارٍ، وتهْديدٍ، وبذاءةٍ، واخْتلاقٍ، وبهْتانٍ، كما ذلك محْكيٌّ في تضاعيف الْقرْآن وفي هذه السّورة، لأنّهمْ يجْهلون مراتب أهْل الاصْطفاء ويزنونهمْ بمعْيار موازين نفوسهمْ، فحسبوا ما يأْتونه من الْخزعْبلات مثبّطًا له وموشكًا لأنْ يصْرفه عنْ دعْوتهمْ.

وسبيل الرّبّ: طريقه. وهو مجازٌ لكلّ عملٍ منْ شأْنه أنْ يبلّغ عامله إلى رضى اللّه تعالى، لأنّ الْعمل الّذي يحْصل لعامله غرضٌ ما يشْبه الطّريق الْموصل إلى مكانٍ مقْصودٍ، فلذلك يسْتعار اسْم السّبيل لسبب الشّيْء.

قال الْقرْطبيّ: إنّ هذه الْآية نزلتْ بمكّة في وقْت الْأمْر بمهادنةٍ قريْشٍ، أيْ في مدّة صلْح الْحديْبية.

وحكى الْواحديّ عن ابْن عبّاسٍ: أنّها نزلتْ عقب غزْوة أحدٍ لمّا أحْزن النبي صلى الله عليه وسلم منْظر الْمثْلة بحمْزة- رضي اللّه عنْه- وقال: «لأقْتلنّ مكانه سبْعين رجلًا منْهمْ» .وهذا يقْتضي أنّ الْآية مدنيّةٌ.

ولا أحْسب ما ذكراه صحيحًا. ولعلّ الّذي غرّ منْ رواه قوْله: وإنْ عاقبْتمْ فعاقبوا بمثْل ما عوقبْتمْ به [النّحْل:126] كما سيأْتي، بلْ موْقع الْآية متّصلٌ بما قبْله غيْر محْتاجٍ إلى إيجاد سبب نزولٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت