عن الْمنْكر، ويقول الْحقّ كما جاء في الْخبر: أفْضل الْجهاد كلمة حقٍّ عنْد سلْطانٍ جائرٍ، ثمّ ينْصرف عنْهمْ وهو خائفٌ منْ ربّه، فهذا غيْر مفْتتنْ إنّما الْمفْتتن أنْ يأْتيهمْ راغبًا طالبًا للدّنْيا طالبًا للْعزّ في الدّنْيا طالبًا للرّئاسة في النّاس يتعزّز بعزّ السّلْطان ويتكبّر بسلْطانه فإذا أتاهمْ داهنهمْ ومال إليْهمْ ورضي بسوء فعْلهمْ وأعانهمْ عليْه وصدّقهمْ على غيْر الْحقّ منْ قوْلهمْ ورجع عنْهمْ مفْتخرًا بهمْ آمنًا لمكْر الله معْتزًا بما نال من الْعزّ بهمْ، يؤْذي النّاس ويطْغى فيهمْ ويتقوّى عليْهمْ باخْتلافٍ إلى السّلْطان، فهذا الّذي افْتتن ونسي الْآخرة وعصى ربّه وآذى الْمؤْمنين ونقص منْ دينه ما لا يجْبره الدّنْيا كلّها لوْ كانتْ له" [1] "
وقال تعالى: {ادْع إلى سبيل ربّك بالْحكْمة والْموْعظة الْحسنة وجادلْهم بالّتي هي أحْسن إنّ ربّك هو أعْلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعْلم بالْمهْتدين} (125) سورة النحل
ادْع يا محمّد قوْمك إلى سلوك طريق الله، طريق الحقّ الذي شرعه الله للنّاس، واسْتعْملْ في دعْوتك معْ كلّ واحدٍ منْهم الوسيلة الناجعة معه، والطّريقة المناسبة، وجادلْ أهْل الكتاب بالحجّة والقوْل اللّيّن، والعبارة الحسنة التي لا تشوبها قسْوةٌ ولا عنْفٌ، ليسْتمرّ بيْنك وبيْنهم الحوار والجدل والنّقاش، فتسْتطيع إقْناعهمْ بصحّة دعْوتك، وحمْلهمْ على اتّباعك، واترْك بعْد ذلك أمْرهمْ لله، فهو الّذي يعْلم منْ ضلّ فلا يفيد معه جدلٌ ولا دعْوةٌ، وهو الذي يعْلم منْ صفتْ نفسه، وسلم تفْكيره، فاهْتدى وآمن بما جئْت به منْ عنْد الله. [2]
ادْع إلى سبيل ربّك بالْحكْمة والْموْعظة الْحسنة وجادلْهمْ بالّتي هي أحْسن.
يتنزّل معْنى هذه الْآية منْزلة الْبيان لقوْله: أن اتّبعْ ملّة إبْراهيم حنيفًا [سورة النّحْل:123] فإنّ الْمراد بما أوحي إليْه من اتّباع ملّة إبْراهيم هو دين الْإسْلام، ودين الْإسْلام مبْنيٌّ على
(1) - شعب الإيمان (12/ 38) (8978)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2026، بترقيم الشاملة آليا)