فالسّواء غيْر مؤنّثٍ، وصف به كلمةٍ، وهو لفْظٌ مؤنّثٌ، لأنّ الْوصْف بالْمصْدر واسْم الْمصْدر لا مطابقة فيه.
وألّا نعْبد بدلٌ منْ كلمةٍ، وقال جماعةٌ: هو بدلٌ منْ سواءٍ، وردّه ابْن هشامٍ، في النّوْع الثّاني من الْجهة السّادسة منْ جهات قواعد الْإعْراب منْ مغْني اللّبيب، واعْترضه الدّمامينيّ وغيْره.
والْحقّ أنّه مرْدودٌ منْ جهة مراعاة الاصْطلاح لا منْ جهة الْمعْنى لأنّ سواء وصف لكلمة وألّا نعْبد لوْ جعل بدلًا من سواء ءال إلى كوْنه في قوّة الْوصْف لكلمة ولا يحْسن وصْف كلمةٍ به. وضمير بيْننا عائدٌ على معْلومٍ من الْمقام: وهو النبي صلى الله عليه وسلم والْمسْلمون، ولذلك جاء بعْده: فقولوا اشْهدوا بأنّا مسْلمون.
ويسْتفاد منْ قوْله: ألّا نعْبد إلّا اللّه إلى آخره، التّعْريض بالّذين عبدوا الْمسيح كلّهمْ.
وقوْله: فإنْ تولّوْا جيء في هذا الشّرْط بحرْف إنْ لأنّ التّولّي بعْد نهوض هذه الْحجّة وما قبْلها من الْأدلّة غريب الْوقوع، فالْمقام مشْتملٌ على ما هو صالحٌ لاقْتلاع حصول هذا الشّرْط، فصار فعْل الشّرْط منْ شأْنه أنْ يكون نادر الْوقوع مفْروضًا، وذلك منْ مواقع (إن) الشّرْطيّة فإنْ كان ذلك منْهمْ فقدْ صاروا بحيْث يؤْيس منْ إسْلامهمْ فأعْرضوا عنْهمْ، وأمْسكوا أنْتمْ بإسْلامكمْ، وأشْهدوهمْ أنّكمْ على إسْلامكمْ. ومعْنى هذا الْإشْهاد التّسْجيل عليْهمْ لئلّا يظْهروا إعْراض الْمسْلمين عن الاسْترْسال في محاجّتهمْ في صورة الْعجْز والتّسْليم بأحقّيّة ما عليْه أهْل الْكتاب فهذا معْنى الْإشْهاد عليْهمْ بأنا مسلمون. [1]
وقال السعدي:
أي: قل لأهل الكتاب من اليهود والنصارى {تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} أي: هلموا نجتمع عليها وهي الكلمة التي اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، ولم يخالفها إلا المعاندون والضالون، ليست مختصة بأحدنا دون الآخر، بل مشتركة بيننا وبينكم، وهذا من العدل في المقال والإنصاف في الجدال، ثم فسرها بقوله {ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا} فنفرد الله بالعبادة ونخصه بالحب والخوف والرجاء ولا نشرك به نبيا ولا ملكا
(1) - التحرير والتنوير (3/ 268)