فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 3472

وقوله تعالى: «فإنْ تولّوْا فقولوا اشْهدوا بأنّا مسْلمون» إلفات للمسلمين إلى ما بين أيديهم من حقّ، في تلك الكلمة التي دعوا أهل الكتاب إليها .. فإن أباها أهل الكتاب، وأعطوها ظهورهم، فإن على المسلمين أن يؤذّنوا بها في أسماع العالمين، وأن يملئوا أفواههم وقلوبهم بها، وأن يقولوها صريحة مدوية، بمحضر من هؤلاء الذين صمّوا آذانهم عنها، وأمسكوا ألسنتهم عن النطق بها .. وإشهاد أهل الكتاب على إيمان المؤمنين، هو شهادة عليهم، وحجة قائمة على موقفهم العنادىّ من دعوة الحق. [1]

وقال ابن عاشور:

رجوعٌ إلى الْمجادلة، بعْد انْقطاعها بالدّعاء إلى الْمباهلة، بعث عليْه الْحرْص على إيمانهمْ، وإشارةٌ إلى شيْءٍ منْ زيْغ أهْل الْكتابيْن عنْ حقيقة إسْلام الْوجْه للّه كما تقدّم بيانه. وقدْ جيء في هذه الْمجادلة بحجّةٍ لا يجدون عنْها موئلا وهو دعْوتهمْ إلى تخْصيص اللّه بالْعبادة ونبْذ عقيدة إشْراك غيْره في الْإلهيّة. فجمْلة قلْ يا أهْل الْكتاب بمنْزلة التّأْكيد لجمْلة فقلْ تعالوْا ندْع أبْناءنا [آل عمران:61] لأنّ مدْلول الْأولى احْتجاجٌ عليْهمْ بضعْف ثقتهمْ بأحقّيّة اعْتقادهمْ. ومدْلول هذه احْتجاجٌ عليْهمْ بصحّة عقيدة الْإسْلام، ولذلك لمْ تعْطفْ هذه الْجمْلة. والْمراد بأهْل الْكتاب هنا النّصارى: لأنّهمْ هم الّذين اتّخذوا الْمخْلوق ربًّا وعبدوه مع اللّه. وتعالوْا هنا مسْتعْملةٌ في طلب الاجْتماع على كلمةٍ سواءٍ وهو تمْثيلٌ: جعلت الْكلمة الْمجْتمع عليْها بشبْه الْمكان الْمراد الاجْتماع عنْده. وتقدّم الْكلام على (تعالوْا) قريبًا. والْكلمة هنا أطْلقتْ على الْكلام الْوجيز كما في قوْله تعالى: كلّا إنّها كلمةٌ هو قائلها [الْمؤْمنون:100] .

و (سواءٌ) هنا اسْم مصْدر الاسْتواء، قيل بمعْنى الْعدْل، وقيل بمعْنى قصْدٍ لا شطط فيها، وهذان يكونان منْ قوْلهمْ: مكانٌ سواءٌ وسوًى وسوًى بمعْنى متوسّطٍ قال تعالى: فرآه في سواء الْجحيم [الصافات:55] .وقال ابْن عطيّة: بمعْنى ما يسْتوي فيه جميع النّاس، فإنّ اتّخاذ بعْضهمْ بعْضًا أرْبابًا، لا يكون على اسْتواء حالٍ وهو قوْلٌ حسنٌ. وعلى كلّ معْنًى

(1) - التفسير القرآني للقرآن (2/ 485)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت