فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 3472

اخْتلاف فيه في الْعبادات كلّها إلّا في الصلاة في أول الْوقْت فإنّ أبا حنيفة يرى أنّ الْأوْلى تأْخيرها، وعموم الْآية دليلٌ عليْه، قاله إلْكيا. وفيه دليلٌ على أنّ الصّوْم في السّفر أوْلى من الْفطْر، وقدْ تقدّم جميع هذا في"الْبقرة". (إلى اللّه مرْجعكمْ جميعًا فينبّئكمْ بما كنْتمْ فيه تخْتلفون) أيْ بما اخْتلفْتمْ فيه، وتزول الشكوك.

قوْله تعالى: (وأن احْكمْ بيْنهمْ بما أنْزل اللّه) تقدّم الْكلام فيها، وأنّها ناسخةٌ للتّخْيير. قال ابْن الْعربيّ: وهذه دعْوى عريضةٌ، فإنّ شروط النّسْخ أرْبعةٌ: منْها معْرفة التّاريخ بتحْصيل الْمتقدّم والْمتأخّر، وهذا مجْهولٌ منْ هاتيْن الْآيتيْن، فامْتنع أنْ يدّعى أنّ واحدةً منْهما ناسخةٌ للْأخْرى، وبقي الْأمْر على حاله. قلْت: قدْ ذكرْنا عنْ أبي جعْفرٍ النّحّاس أنّ هذه الْآية متأخّرةٌ في النّزول، فتكون ناسخةً إلّا أنْ يقدّر في الْكلام"وأن احْكمْ بيْنهمْ بما أنْزل اللّه"إنْ شئْت، لأنّه قدْ تقدّم ذكْر التّخْيير له، فآخر الْكلام حذف التّخْيير منْه لدلالة الْأوّل عليْه، لأنّه معْطوفٌ عليْه، فحكْم التّخْيير كحكْم الْمعْطوف عليْه، فهما شريكان وليْس الْآخر بمنْقطعٍ ممّا قبْله، إذْ لا معْنى لذلك ولا يصحّ، فلا بدّ منْ أنْ يكون قوْله:"وأن احْكمْ بيْنهمْ بما أنْزل اللّه"معْطوفًا على ما قبْله منْ قوْله:"وإنْ حكمْت فاحْكمْ بيْنهمْ بالْقسْط"ومنْ قوْله:"فإنْ جاؤك فاحْكمْ بيْنهمْ أوْ أعْرضْ عنْهمْ"فمعْنى"وأن احْكمْ بيْنهمْ بما أنْزل اللّه"أي احْكمْ بذلك إنْ حكمْت واخْترْت الْحكْم، فهو كلّه محْكمٌ غيْر منْسوخٍ، لأنّ النّاسخ لا يكون مرْتبطًا بالْمنْسوخ معْطوفًا عليْه، فالتّخْيير للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك محْكمٌ غيْر منسوخ، قاله مكي رحمه اله."وأن احْكمْ"في موْضع نصْبٍ عطْفًا على الْكتاب، أيْ وأنْزلْنا إليْك أن احْكمْ بيْنهمْ بما أنْزل اللّه، أيْ بحكْم اللّه الّذي أنزله إليك في كتابه. (واحْذرْهمْ أنْ يفْتنوك) "أن"بدلٌ من الْهاء والْميم في"واحْذرْهمْ"وهو بدل اشْتمالٍ. أوْ مفْعولٌ منْ أجْله، أيْ منْ أجْل أنْ يفْتنوك. وعن ابْن إسْحاق قال ابْن عبّاسٍ: اجْتمع قوْمٌ من الْأحْبار منْهم ابْن صوريّا وكعب بن أسد وابن صلوبا وشأس ابن عديٍّ وقالوا: اذْهبوا بنا إلى محمّدٍ فلعلّنا نفْتنه عنْ دينه فإنّما هو بشرٌ، فأتوْه فقالوا: قدْ عرفْت يا محمّد أنّا أحْبار الْيهود، وإن اتّبعْناك لمْ يخالفْنا أحدٌ من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فتحاكمهم إليْك، فاقْض لنا عليْهمْ حتّى نؤْمن بك، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلتْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت