مسْلمٌ ويدْعوه إلى الْكاهن، فأنْزل اللّه تبارك وتعالى ما تسْمعون، فعاب ذلك على الّذي زعم أنّه مسْلمٌ، وعلى الْيهوديّ الّذي هو منْ أهْل الْكتاب، فقال: {ألمْ تر إلى الّذين يزْعمون أنّهمْ آمنوا بما أنْزل إليْك} [النساء:60] إلى قوْله: {صدودًا} [النساء:61] " [1] "
وقال ابن كثير:"هذا إنْكارٌ من اللّه، عزّ وجلّ، على منْ يدّعي الْإيمان بما أنْزل اللّه على رسوله وعلى الْأنْبياء الْأقْدمين، وهو مع ذلك يريد التّحاكم في فصْل الْخصومات إلى غيْر كتاب اللّه وسنّة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الْآية: أنّها في رجلٍ من الْأنْصار ورجلٍ من الْيهود تخاصما، فجعل الْيهوديّ يقول: بيْني وبيْنك محمّدٌ. وذاك يقول: بيْني وبيْنك كعْب بْن الْأشْرف. وقيل: في جماعةٍ من الْمنافقين، ممّنْ أظْهروا الْإسْلام، أرادوا أنْ يتحاكموا إلى حكّام الْجاهليّة. وقيل غيْر ذلك، والْآية أعمّ منْ ذلك كلّه، فإنّها ذامّةٌ لمنْ عدل عن الْكتاب والسّنّة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الْباطل، وهو الْمراد بالطّاغوت هاهنا" [2]
وفي الظلال:
ألم تر إلى هذا العجب العاجب .. قوم .. يزعمون .. الإيمان. ثم يهدمون هذا الزعم في آن؟! قوم «يزْعمون أنّهمْ آمنوا بما أنْزل إليْك وما أنْزل منْ قبْلك» .ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر، وإلى منهج آخر، وإلى حكم آخر .. يريدون أن يتحاكموا إلى .. الطاغوت .. الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. ولا ضابط له ولا ميزان، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك .. ومن ثم فهو .. طاغوت .. طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية. وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضا!
وهم لا يفعلون هذا عن جهل، ولا عن ظن .. إنما هم يعلمون يقينا ويعرفون تماما، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: «وقدْ أمروا أنْ يكْفروا به» .. فليس في الأمر جهالة ولا ظن. بل هو العمد والقصد.
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (7/ 191) صحيح مرسل
(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 346)