فهرس الكتاب
أنْزل اللّه ويحْتمل أنْ يكون قوْله تعالى: {فإنْ جاءوك فاحْكمْ بيْنهمْ أوْ أعْرضْ عنْهمْ} قبْل أنْ تعْقد لهمْ الذّمّة يدْخلوا تحْت أحْكام الْإسْلام بالْجزْية فلمّا أمر اللّه بأخْذ الْجزْية منْهمْ وجرتْ عليْهمْ أحْكام الْإسْلام أمر بالْحكْم بيْنهمْ بما أنْزل اللّه فيكون حكْم الْآيتيْن جميعًا ثابتًا: التّخْيير في أهْل الْعهْد الّذين لا ذمّة لهمْ ولمْ يجْر عليْهمْ أحْكام الْمسْلمين كأهْل الْحرْب إذا هادنّاهمْ وإيجاب الْحكْم بما أنْزل اللّه في أهْل الذّمّة الّذين يجْري عليْهمْ أحْكام الْمسْلمين. وقدْ روي عنْ ابْن عبّاسٍ ما يدلّ على ذلك; روى محمّد بْن إسْحاق عنْ داود بْن الْحصيْن عنْ عكْرمة عنْ ابْن عبّاسٍ أنّ الْآية الّتي في الْمائدة قوْل اللّه تعالى: {فاحْكمْ بيْنهمْ أوْ أعْرضْ عنْهمْ} إنّما نزلتْ في الدّية بيْن بني قريْظة وبيْن بني النّضير، وذلك أنّ بني النّضير كان لهمْ شرفٌ يدوْن ديةً كاملةً، وأنّ بني قريْظة يودوْن نصْف الدّية; فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنْزل اللّه ذلك فيهمْ، فحملهمْ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الْحقّ في ذلك فجعل الدّية سواءً. ومعْلومٌ أنّ بني قريْظة والنّضير لمْ تكنْ لهمْ ذمّةٌ قطّ، وقدْ أجْلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بني النّضير وقتل بني قريْظة، ولوْ كان لهمْ ذمّةٌ لما أجْلاهمْ ولا قتلهمْ، وإنّما كان بيْنه وبيْنهمْ عهْدٌ وهدْنةٌ فنقضوها. فأخْبر ابْن عبّاسٍ أنّ آية التّخْيير نزلتْ فيهمْ، فجائزٌ أنْ يكون حكْمها باقيًا في أهْل الْحرْب منْ أهْل الْعهْد، وحكْم الْآية الْأخْرى في وجوب الْحكْم بيْنهمْ بما أنْزل اللّه تعالى ثابتًا في أهْل الذّمّة فلا يكون فيها نسْخٌ. وهذا تأْويلٌ سائغٌ لوْلا ما روي عنْ السّلف منْ نسْخ التّخْيير بالْآية الْأخْرى. وروي عنْ ابْن عبّاسٍ روايةٌ أخْرى وعنْ الْحسن ومجاهدٍ والزّهْريّ: أنّها نزلتْ في شأْن الرّجْم حين تحاكموا إليْه وهؤلاء أيْضًا لمْ يكونوا أهْل ذمّةٍ، وإنّما تحاكموا إليْه طلبًا للرّخْصة وزوال الرّجْم، فصار النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بيْت مدْراسهمْ ووقفهمْ على آية الرّجْم وعلى كذبهمْ وتحْريفهمْ كتاب اللّه، ثمّ رجم الْيهوديّيْن وقال:"اللّهمّ إنّي أوّل منْ أحْيا سنّةً أماتوها".
وقال أصْحابنا أهْل الذّمّة محْمولون في الْبيوع والْمواريث وسائر الْعقود على أحْكام الْإسْلام كالْمسْلمين، إلّا في بيْع الْخمْر والْخنْزير، فإنّ ذلك جائزٌ فيما بيْنهمْ لأنّهمْ مقرّون على أنْ تكون مالًا لهمْ، ولوْ لمْ يجزْ مبايعتهمْ وتصرّفهمْ فيها والانْتفاع بها لخرجتْ منْ أنْ تكون مالًا لهمْ ولما وجب على مسْتهْلكها عليْهمْ ضمانٌ".ولا نعْلم خلافًا بيْن الْفقهاء"