فهرس الكتاب
فيمنْ اسْتهْلك لذمّيٍّ خمْرًا أنّ عليْه قيمتها. وقدْ روي أنّهمْ كانوا يأْخذون الْخمْر منْ أهْل الذّمّة في الْعشور، فكتب إليْهمْ عمر"أنْ ولّوهمْ بيْعها وخذوا الْعشْر منْ أثْمانها"فهذان مالٌ لهمْ يجوز تصرّفهمْ فيهما، وما عدا ذلك فهو محْمولٌ على أحْكامنا لقوْله: {وأن احْكمْ بيْنهمْ بما أنْزل اللّه ولا تتّبعْ أهْواءهمْ} وروي عنْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كتب إلى أهْل نجْران:"إمّا أنْ تذروا الرّبا وإمّا أنْ تأْذنوا بحرْبٍ منْ اللّه ورسوله"فجعلهمْ النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حظْر الرّبا ومنعهمْ منْه كالْمسْلمين، قال اللّه تعالى: {وأخْذهم الرّبا وقدْ نهوا عنْه وأكْلهمْ أمْوال النّاس بالْباطل} [النساء:161] فأخْبر أنّهمْ منْهيّون عنْ الرّبا وأكْل الْمال بالْباطل، كما قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تأْكلوا أمْوالكمْ بيْنكمْ بالْباطل إلّا أنْ تكون تجارةً عنْ تراضٍ منْكمْ} [النساء:29] فسوّى بيْنهمْ وبيْن الْمسْلمين في الْمنْع منْ الرّبا والْعقود الْفاسدة الْمحْظورة، وقال تعالى: {سمّاعون للْكذب أكّالون للسّحْت} فهذا الّذي ذكرْناه مذْهب أصْحابنا في عقود الْمعاملات والتّجارات والْحدود أهْل الذّمّة والْمسْلمون فيها سواءٌ، إلّا أنّهمْ لا يرْجمون لأنّهمْ غيْر محْصنين. وقال مالكٌ:"الْحاكم مخيّرٌ إذا اخْتصموا إليْه بيْن أنْ يحْكم بيْنهمْ بحكْم الْإسْلام أوْ يعْرض عنْهمْ فلا يحْكم بيْنهمْ"وكذلك قوْله في الْعقود والْمواريث وغيْرها.
واخْتلف أصْحابنا في مناكحتهمْ فيما بيْنهمْ، فقال أبو حنيفة همْ مقرّون على أحْكامهمْ لا يعْترض عليْهمْ فيها إلّا أنْ يرْضوْا بأحْكامنا، فإنْ رضي بها الزّوْجان حملا على أحْكامنا، وإنْ أبى أحدهما لمْ يعْترضْ عليْهمْ، فإذا تراضيا جميعًا حملهما على أحْكام الْإسْلام إلّا في النّكاح بغيْر شهودٍ والنّكاح في الْعدّة فإنّه لا يفرّق بيْنهمْ، وكذلك إنْ أسْلموا".وقال محمّدٌ:"إذا رضي أحدهما حملا جميعًا على أحْكامنا وإنْ أبى الْآخر، إلّا في النّكاح بغيْر شهودٍ خاصّةً".وقال أبو يوسف:"يحْملون على أحْكامنا وإنْ أبوْا إلّا في النّكاح بغيْر شهودٍ نجيزه إذا تراضوْا بها".فأمّا أبو حنيفة فإنّه يذْهب في إقْرارهمْ على مناكحاتهمْ، إلى أنّه قدْ ثبت أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ الْجزْية منْ مجوس هجر مع علْمه بأنّهمْ يسْتحلّون نكاح ذوات الْمحْرم ومع علْمه بذلك لمْ يأْمرْ بالتّفْرقة بيْنهما; وكذلك الْيهود والنّصارى يسْتحلّون كثيرًا منْ عقود الْمناكحات الْمحرّمة ولمْ يأْمرْ بالتّفْرقة بيْنهمْ حين"