الرّسول: إنّه قدْ شهد بدْرًا، وما يدْريك لعلّ الله اطّلع على أهْل بدْرٍ فقال: اعْملوا ما شئْتمْ فقدْ غفرْت لكمْ.
ويأْمر الله تعالى المؤْمنين في هذه الآية بأنْ لا يتّخذوا الكفّار أعْوانًا وأنْصارًا لهمْ يبلّغونهمْ أخْبار الرّسول التي لا ينْبغي لأعْدائه أنْ يطّلعوا عليها، وقدْ كفر هؤلاء الكفّار بالله وبرسوله وبكتابه، فكيْف بكمْ بعْد هذا تتّخذونهمْ أنْصارًا تسرّون إليهمْ بما ينْفعهمْ، ويضرّ الرّسول والمسْلمين، وقدْ أخْرجوا الرّسول وأصْحابه منْ بين أظْهرهمْ كرْهًا بالتّوْحيد، وإخْلاص العبادة لله، ولمْ يكنْ لهمْ ذنْبٌ يؤاخذون عليه غيْر ذلك. فإنْ كنْتمْ، يا أيّها المؤْمنون، قدْ خرجْتمْ مجاهدين في سبيلي، وابْتغاء مرْضاتي، فلا تولوا أعْدائي، ومنْ يفْعلْ هذه الموالاة، ويفْش سرّ الرّسول لأعْدائه، فقدْ حاد عنْ قصْد الطّريق الموصلة إلى الجنّة. [1]
وفي الظلال:
تبدأ السورة بذلك النداء الودود الموحي: «يا أيّها الّذين آمنوا» .. نداء من ربهم الذي آمنوا به، يدعوهم باسم الإيمان الذي ينسبهم إليه. يدعوهم ليبصرهم بحقائق موقفهم، ويحذرهم حبائل أعدائهم، ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عاتقهم.
وفي مودة يجعل عدوهم عدوه، وعدوه عدوهم: «لا تتّخذوا عدوّي وعدوّكمْ أوْلياء تلْقون إليْهمْ بالْمودّة» .. فيشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه. يعاديهم من يعاديه. فهم رجاله المنتسبون إليه الذين يحملون شارته في هذه الأرض، وهم أوداؤه وأحباؤه. فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه.
ويذكرهم بجريرة هؤلاء الأعداء عليهم وعلى دينهم وعلى رسولهم، وعدوانهم على هذا كله في تجن وظلم: «وقدْ كفروا بما جاءكمْ من الْحقّ. يخْرجون الرّسول وإيّاكمْ. أنْ تؤْمنوا باللّه ربّكمْ» ..
فماذا أبقوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة؟ كفروا بالحق. وأخرجوا الرسول والمؤمنين، لا لشيء إلا لأنهم آمنوا باللّه ربهم؟ إنه يهيج في قلوب المؤمنين هذه الذكريات المرتبطة بعقيدتهم. وهي التي حاربهم المشركون من أجلها، لا من أجل أي سبب
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5029، بترقيم الشاملة آليا)