جديدة، ويلحقهم بالكافرين في النص، ويكلفه جهاد هؤلاء وهؤلاء جهادا عنيفا غليظا لا رحمة فيه ولا هوادة.
إن للين مواضعه وللشدة مواضعها. فإذا انتهى أمد اللين فلتكن الشدة وإذا انقضى عهد المصابرة فليكن الحسم القاطع .. وللحركة مقتضياتها، وللمنهج مراحله. واللين في بعض الأحيان قد يؤذي، والمطاولة قد تضر. وقد اختلف في الجهاد والغلظة على المنافقين. أتكون بالسيف كما روي عن علي - كرم اللّه وجهه - واختاره ابن جرير - رحمه اللّه - أم تكون في المعاملة والمواجهة وكشف خبيئاتهم للأنظار كما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - والذي وقع - كما سيجيء - أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل المنافقين ..
«يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا. وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا» ..
والنص في عمومه يستعرض حالة المنافقين في كثير من مواقفهم، ويشير إلى ما أرادوه مرارا من الشر للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين .. وهناك روايات تحدد حادثة خاصة لسبب نزول الآية: عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ:"يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ"إِلَى قَوْلِهِ"وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ"قَالَ:"ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلَيْنِ اقْتَتَلا، أَحَدُهُمَا مِنْ جُهَيْنَةَ، وَالآخَرُ مِنْ غِفَارَ، وَكَانَتْ جُهَيْنَةُ حُلَفَاءَ الأَنْصَارِ، فَظَهَرَ الْغِفَارِيُّ عَلَى الْجُهَنِيِّ فَنَادَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: يَا بَنِي أَوْسٍ، انْصُرُوا أَخَاكُمْ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ مُحَمَّدٍ إِلا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، وَقَالَ"لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ"فَسَعَى بِهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم،فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم،فَسَأَلَهُ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنُ"يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا"". [1] .
ويروي الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظلّ شجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسانٌ فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه. فلم يلبث أن طلَع رجل أزرقُ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال: علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟
(1) - تفسير ابن أبي حاتم [7/ 339] (10625) صحيح مرسل