فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَعْنَى {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء:89] أَيْ حَتَّى يُجَاهِدُوا مَعَكُمْ، بِخِلَافِ فِعْلِهِمْ حِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْآيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُنَافِقِينَ الْمُنْصَرِفِينَ عَنْ أُحُدٍ؟ قِيلَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ:هَذَا مُمْكِنٌ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ تَعَالَى {فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [النساء:89] فَأَخْبِرُونَا هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَتَلَ الرَّاجِعِينَ عَنْ أُحُدٍ حَيْثُ وَجَدَهُمْ؟ وَهَلْ أَخَذَهُمْ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَذَبُوا كَذِبًا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ شَكٌّ فِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا نَبَذَ الْعَهْدَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا الْمُؤْمِنُونَ؟
قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ، فَأَمَرَهُ تَعَالَى إنْ تَوَلَّوْا بِقَتْلِهِمْ، حَيْثُ وَجَدَهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ ظَنَّهُ بِلَا شَكٍّ.
فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَتَوَلَّوْا بَلْ تَابُوا وَرَجَعُوا وَجَاهَدُوا؟ قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ النِّفَاقِ عَنْهُمْ - بِلَا شَكٍّ - وَحَصَلَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِعْلَامِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ - بِلَا شَكٍّ - فَقَدْ بَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ جُمْلَةً فِي أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ. وَلَكِنْ فِي قَوْله تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء:90] إلَى قَوْله تَعَالَى: {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا} [النساء:90] بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ مِنْ الْأَوْسِ وَلَا مِنْ الْخَزْرَجِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَوْمٌ مُحَارِبُونَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَا نُسِبُوا قَطُّ إلَى قَوْمٍ مُعَاهِدِينَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِمِيثَاقٍ مَعْقُودٍ، هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} [النساء:90] إلَى قَوْله تَعَالَى {سَبِيلا} [آل عمران:97] فَإِنَّ هَذَا بَيَانٌ جَلِيٌّ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ الْأَنْصَارِ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُنَافِقِينَ، لَكِنْ مِنْ الْكُفَّارِ الْمُجَاهِرِينَ بِالْكُفْرِ.
إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إنَّ قَوْله تَعَالَى {إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} [النساء:90] اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِمَّا قَبْلَهُ فِي قَوْلِ {آخَرِينَ} [النساء:91] وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ النِّفَاقِ عَلَى أُولَئِكَ إنْ كَانَ هَكَذَا.