فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُمْ أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء:89] أَنَّهُ فِي قَوْمٍ مِنْ الْكُفَّارِ غَيْرِ أُولَئِكَ، فَحَسْبُنَا أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ سَمَّى أُولَئِكَ الرَّاجِعِينَ"مُنَافِقِينَ"فَصَارُوا مَعْرُوفِينَ؟ قِيلَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: وَقَدْ قُلْنَا إنَّ النِّفَاقَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لِمَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ وَيُبْطِنُ الْإِيمَانَ، وَقِسْمٌ لِمَنْ يُظْهِرُ غَيْرَ مَا يُضْمِرُ فِيمَا سِوَى الدِّينِ وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا، وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إنَّا نَدْخُلُ عَلَى الْإِمَامِ فَيَقْضِي بِالْقَضَاءِ فَنَرَاهُ جَوْرًا فَنَمْسِكُ؟ فَقَالَ: إنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نَعُدُّ هَذَا نِفَاقًا، فَلَا نَدْرِي مَا تَعُدُّونَهُ أَنْتُمْ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَإِنْ صَلَّى وَإِنْ صَامَ وَقَالَ إنِّي مُسْلِمٌ» .
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ نَقْطَعَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْإِسْلَامِ إلَّا بِنَصٍّ، وَلَكِنَّا نَقْطَعُ عَلَيْهِمْ بِمَا قَطَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ اسْمِ النِّفَاقِ، وَالضَّلَالَةِ، وَالْإِرْكَاسِ، وَخِلَافِ الْهُدَى - وَلَا نَزِيدُ وَلَا نَتَعَدَّى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِآرَائِنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. [1]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْعُلَمَاءَ أَئِمَّةُ الدِّينِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَأَعَانَهُمْ عَلَى إظْهَارِ الْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِخْمَادِ شُعَبِ الْمُبْطِلِينَ: فِي"الْنُصَيْرِيَّة"الْقَائِلِينَ بِاسْتِحْلَالِ الْخَمْرِ وَتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ وَقِدَمِ الْعَالِمِ وَإِنْكَارِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِي غَيْرِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَبِأَنَّ"الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ"عِبَارَةٌ عَنْ خَمْسَةِ أَسْمَاءٍ وَهِيَ: عَلِيٌّ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ وَمُحْسِنٌ وَفَاطِمَةُ. فَذِكْرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَمْسَةِ عَلَى رَأْيِهِمْ يُجْزِئُهُمْ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْوُضُوءِ وَبَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَةِ وَوَاجِبَاتِهَا. وَبِأَنَّ"الصِّيَامَ"عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ اسْمِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا وَاسْمِ ثَلَاثِينَ امْرَأَةً يَعُدُّونَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ وَيَضِيقُ هَذَا الْمَوْضِعُ عَنْ إبْرَازِهِمْ؛ وَبِأَنَّ إلَهَهُمْ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ عِنْدُهُمْ الْإِلَهُ فِي السَّمَاءِ وَالْإِمَامُ فِي الْأَرْضِ فَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِي ظُهُور اللَّاهُوتِ بِهَذَا النَّاسُوتِ
(1) - المحلى بالآثار (12/ 129)