وفى قوله تعالى: «قوما» بالتنكير، إشارة إلى ازدراء هؤلاء القوم، وهوانهم، وأنهم- حيث كانوا- هم في صغار وذلة وهوان ..
وحسبهم صغارا وذلة وهوانا، أن يصحبهم غضب الله في كل زمان ومكان ..
ثم إن في هذا التنكير دلالة على أن وصف القوم بغضب الله عليهم، يكشف عن وجه هؤلاء القوم، ويقوم شاهدا عليهم، إذ ليس هناك من وقعت عليه لعنة الله غيرهم .. فالصفة قرينة دالة على الموصوف، إذ كانت مقصورة عليه ..
قوله تعالى: «قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ» - إشارة إلى موقف اليهود من الحياة الآخرة، وأنهم في شكّ منها وفى يأس من لقائها، فهم- مع إيمانهم بالله- على عقيدة بأن لا بعث بعد الموت، وأن الناس إنما يوفّون جزاءهم في هذه الحياة الدنيا .. ولهذا فإنهم يستنفدون كلّ جهدهم في العمل لما يبنى حياتهم الدنيوية، دون أن تكون منهم لفتة إلى ماوراء هذه الحياة .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ» .. (32:الجاثية) .. هذا هو المعتقد الغالب على اليهود، فيما يتصل بالبعث، وبالحياة الآخرة، وإن كانت شريعتهم التي جاءهم بها موسى، تدعو إلى الإيمان بالحياة الآخرة، وإلى العمل لها، ولكن القوم يتأولون نصوص الشريعة، ويلوونها مع أهوائهم، حتى كانت الحياة الآخرة عندهم أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة.
وقوله تعالى: «يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ» بدلا من أن يقال كفروا بالآخرة، أو كذبوا بها، للإشارة إلى ما عندهم من علم بالآخرة، وبما يكون فيها من حساب وجزاء، وأنه علم نظرىّ، ميئوس من وقوع المعلوم منه، وتحققه .. وهذا إعجاز من إعجاز القرآن، في تصوير هذا المفهوم الذي يقوم عند اليهود للبعث وللحياة الآخرة .. إنه انتظار لغائب لا يرجى له إياب، فوقع اليأس من لقائه ..
وفى قوله تعالى: «كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ» أي أن يأس اليهود من لقاء الآخرة، هو أشبه بيأس الكفار من أن يلتقوا يوما بموتاهم الذين أودعوهم القبور .. فاليهود ينظرون إلى الآخرة، نظرة الكفار إلى الأموات في القبور .. إن كلّا منهم ينظر إلى