بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ فَجَعَلَ الطَّعْنَ فِي دِينِنَا بِمَنْزِلَةِ نَكْثِ الْأَيْمَانِ إذْ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَجْعَلَ نَكْثَ الْأَيْمَانِ وَالطَّعْنَ فِي الدِّينِ بِمَجْمُوعِهِمَا شَرْطًا فِي نَقْضِ الْعَهْدِ; لِأَنَّهُمْ لَوْ نَكَثُوا الْأَيْمَانَ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُظْهِرُوا الطَّعْنَ فِي الدِّينِ لَكَانُوا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ. وَقَدْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ مُعَاوَنَةَ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ، وَهُمْ حُلَفَاءُ النبي صلى الله عليه وسلم نَقْضًا لِلْعَهْدِ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ سِرًّا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ إظْهَارُ طَعْنٍ فِي الدِّينِ; فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ. فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَ مَنْ أَظْهَرَ سب النبي صلى الله عليه وسلم من أَهْلِ الْعَهْدِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، إذْ سَبُّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أَكْثَرِ الطَّعْنِ فِي الدِّينِ، فَهَذَا وَجْهٌ يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِمَا وَصَفْنَا.
وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ لِذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رِجْلٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: إنِّي سَمِعْت رَاهِبًا سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم .فَقَالَ: لَوْ سَمِعْته لَقَتَلْته إنَّا لَمْ نُعْطِهِمْ الْعَهْدَ عَلَى هَذَا. وَهُوَ إسْنَادٌ ضَعِيفٌ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُظْهِرُوا سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم .وَقَدْ رُوِيَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ يَهُودِيًّا مَرَّ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: السَّامُ عَلَيْك، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أَتَدْرُونَ مَا قَالَ؟"قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا عَلَيْك"وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ: فَفَهِمْتهَا فَقُلْت:،وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ النَّبِيُّ:"مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ"فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"قُلْت عَلَيْكُمْ"وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَهُ لَوْ كَانَ مِنْ مُسْلِمٍ لَصَارَ بِهِ مُرْتَدًّا مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ، وَلَمْ يَقْتُلْهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقَالُوا: أَلَا تَقْتُلُهَا؟
قَالَ:"لَا"،قَالَ: فَمَا زِلْت أَعْرِفُهَا فِي سَهَوَاتِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ قَصَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فَهُوَ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ أَنَّهُ مُرْتَدٌّ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ، وَلَمْ يَجْعَلْ