الزَّجْرِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ إِيجَابِ الْحَجِّ: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران:97] حَيْثُ وَضَعَ قَوْلَهُ: كَفَرَ مَوْضِعَ مَنْ لَمْ يَحُجَّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي النَّفْسِ الْقِصَاصُ بِشَرْطِهِ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِمْ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَالْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ مَذْهَبَنَا أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ} [المائدة:45] وَالْمَفْهُومُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة:178] غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا لَا سِيَّمَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَنْطُوقِ مَعَ الِاتِّفَاقِ، عَلَى أَنْ لَا مَفْهُومَ فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: الْأُنْثَى بِالْأُنْثَى. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ بِأَيَّةِ رِدَّةٍ كَانَتْ فَيَجِبُ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْعُمُومِ الْمَرْأَةُ ; فَإِنَّهَا لَا تُقْتَلُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالُوا: وَيَتَنَاوَلُ كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِبِدْعَةٍ أَوْ نَفْيِ إِجْمَاعٍ كَالرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمَا، وَخُصَّ مِنْ هَذَا الْعَامِّ الصَّائِلُ وَنَحْوُهُ، فَيُبَاحُ قَتْلُهُ فِي الدَّفْعِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ، وَالْمُرَادُ لَا يَحِلُّ تَعَمُّدُ قَتْلِهِ قَصْدًا إِلَّا فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ اهـ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَعْنَى: لَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذُكِرَ حَالُ الْأَشْقِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقَهْرِ الْإِلَهِيِّ، وَالطَّرْدِ الْكُلِّيِّ، لَا يُفْتَحُ لَهُمْ بَابُ الْمَشْهَدِ الصَّمَدِيِّ، وَهُوَ الْقَلْبُ فَيَأْتِيهِ الْإِلْهَامُ مِنَ الرَّبِّ، وَلَا بَابُ السَّمْعِ وَالْإِبْصَارِ، فَيَدْخُلُهُمَا الْفَهْمُ وَالِاعْتِبَارُ، فَارْتَدُّوا عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَصِرَاطِ التَّوْحِيدِ، وَاحْتَجَبُوا بِظُلُمَاتِ الْكَثْرَةِ عَنْ نُورِ التَّفْرِيدِ، وَاسْتَحَقُّوا الْقَتْلَ وَالنَّارَ، وَحُبِسُوا فِي ظُلُمَاتِ دَارِ الْبَوَارِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اشْتَغَلَ بِالْفَضَائِلِ، وَانْتَهَى عَنْ هَذِهِ الذُّنُوبِ وَسَائِرِ الرَّذَائِلِ، وَمَا أَنْفَعَ قَوْلَ الْقَائِلِ:
أَيَا فَاعِلَ الْخَيْرِ عُدْ ثُمَّ عُدْ ... وَيَا فَاعِلَ الشَّرِّ مَهْ لَا تَعُدْ
فَمَا سَادَ عَبْدٌ بِدُونِ التُّقَى ... وَمَنْ لَمْ يَسُدْ بِالتُّقَى لَمْ يَسُدْ [1]
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2257)