لَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ خِلَافٌ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ إِبَاحَةَ دَمِهِ لِمُحَافَظَةِ أَنْسَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ لَهُ حَقًّا فِيهِ، أَمَّا لَوْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ اقْتُصَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَى الْمُسْلِمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِي التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ إِبَاحَةَ دَمِ الْقَاتِلِ أَيْضًا لِمُحَافَظَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ اتِّفَاقًا، ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى الرَّجْمِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا نَبِيًّا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا [أَلْبَتَّةَ] نَكَالًا مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا، وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا الْحَدِيثَ. وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ فِي الزِّنَا مَفَاسِدَ مِنِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَتَضْيِيعِ الْأَوْلَادِ، وَيَثِبُ كُلُّ رَجُلٍ عَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ فَتَهِيجُ الْفِتَنُ وَالْحُرُوبُ بَعْدَ التَّشَبُّهِ بِالْبَهَائِمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْبِكْرُ وَالْمُكَلَّفُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَيُجْلَدُ مِائَةً، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَيُجْلَدُ خَمْسِينَ، وَيُرَادُ بِالْمَارِقِ لِدِينِهِ الْخَارِجُ عَنْهُ مِنَ الْمُرُوقِ وَهُوَ الْخُرُوجُ، وَمِنْهُ الْمَرَقُ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللَّحْمِ عِنْدَ الطَّبْخِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَهُوَ مُهْدَرٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ لَا قِصَاصَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ، وَفِيمَا إِذَا قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ خِلَافٌ. اهـ.
وَالتَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْمَارِقِ أَيِ الَّذِي تَرَكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَانْفَرَدَ عَنْ أَمْرِهِمْ بِالرِّدَّةِ الَّتِي هِيَ قَطْعُ الْإِسْلَامِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوِ اعْتِقَادًا، فَيُحَبُّ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ، وَتَسْمِيَتُهُ مُسْلِمًا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ لَا بِالْبِدْعَةِ أَوْ نَفْيِ الْإِجْمَاعِ كَالرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ ; فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: لَا يُقْتَلُ أَحَدٌ دَخَلَ الْإِسْلَامَ بِشَيْءٍ سِوَى مَا عُدِّدَ كَتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْأَرْبَعِينَ: وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:" «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ» ".أَيِ اسْتَحَقَّ عُقُوبَةَ الْكُفْرِ كَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ. قُلْتُ: الْحَدِيثُ السَّابِقُ نَصٌّ فِي الْحَصْرِ الْمُفِيدِ لِنَفْيِ قَتْلِهِ، فَلَا يَثْبُتُ إِثْبَاتُهُ بِمِثْلِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنَ الِاحْتِمَالِ، فَإِنَّهُ فُسِّرَ بِأَنَّهُ قَارَبَ الْكُفْرَ، أَوْ شَابَهَ عَمَلَ الْكَفَرَةِ، أَوْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْكُفْرُ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ الْكُفْرَانُ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اسْتَحَلَّ تَرْكَهُ أَوْ نَفَى فَرْضِيَّتَهُ، أَوْ عَلَى