ثمّ يذْكر الله تعالى أنّه جعل لكلّ أمّةٍ من النّاس شريعةً أوْجب عليهْم إقامة أحْكامها، ومنْهاجًا وطريقًا فرض عليهمْ سلوكه لتزْكية نفوسهمْ (فأصْل الدّين واحدٌ، ولكنّ الشّرائع العمليّة تخْتلف باخْتلاف أحْوال البشر، وطباعهمْ واسْتعْدادهمْ) .
ولوْ شاء الله أنْ يجْعل النّاس أمّةً واحدةً، ذات شريعةٍ واحدةٍ ومنْهاجٍ واحدٍ، يسيرون عليْه، لفعل، ولكنّه تعالى لمْ يشأْ، ليخْتبرهمْ فيما شرع لهمْ، وليثيبهمْ على طاعته، ويعاقبهمْ على معْصيته.
ويحثّ الله تعالى النّاس على المبادرة والإسْراع إلى طاعة الله، واتّباع شرْعه الذي جعله ناسخًا ما قبْله من الشرائع، ويخْبرهمْ أنّ إليه مرْجعهمْ ومصيرهمْ يوْم القيامة، فيخْبرهمْ بما اخْتلفوا فيه من الحقّ، ويجْزي كلّ عاملٍ بعمله. [1]
وفي الظلال:
وهكذا تتبين القضية .. إله واحد. وخالق واحد. ومالك واحد .. وإذن فحاكم واحد. ومشرع واحد.
ومتصرف واحد .. وإذن فشريعة واحدة، ومنهج واحد، وقانون واحد .. وإذن فطاعة واتباع وحكم بما أنزل اللّه، فهو إيمان وإسلام. أو معصية وخروج وحكم بغير ما أنزل اللّه، فهو كفر وظلم وفسوق .. وهذا هو الدين كما أخذ اللّه ميثاق العباد جميعا عليه، وكما جاء به كل الرسل من عنده .. أمة محمد والأمم قبلها على السواء ..
ولم يكن بد أن يكون «دين اللّه» هو الحكم بما أنزل اللّه دون سواه. فهذا هو مظهر سلطان اللّه. مظهر حاكمية اللّه. مظهر أن لا إله إلا اللّه.
وهذه الحتمية: حتمية هذا التلازم بين «دين اللّه» و «الحكم بما أنزل اللّه» لا تنشأ فحسب من أن ما أنزل اللّه خير مما يصنع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع وأنظمة وأوضاع. فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية.
وليس هو السبب الأول ولا الرئيسي. إنما السبب الأول والرئيسي، والقاعدة الأولى والأساس في حتمية هذا التلازم هي أن الحكم بما أنزل اللّه إقرار بألوهية اللّه، ونفي لهذه
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:718، بترقيم الشاملة آليا)