الألوهية وخصائصها عمن عداه. وهذا هو «الإسلام» بمعناه اللغوي: «الاستسلام» وبمعناه الاصطلاحي كما جاءت به الأديان .. الإسلام للّه .. والتجرد عن ادعاء الألوهية معه وادعاء أخص خصائص الألوهية، وهي السلطان والحاكمية، وحق تطويع العباد وتعبيدهم بالشريعة والقانون.
ولا يكفي إذن أن يتخذ البشر لأنفسهم شرائع تشابه شريعة اللّه. أو حتى شريعة اللّه نفسها بنصها، إذا هم نسبوها إلى أنفسهم، ووضعوا عليها شاراتهم ولم يردوها للّه ولم يطبقوها باسم اللّه، إذعانا لسلطانه، واعترافا بألوهيته وبتفرده بهذه الألوهية. التفرد الذي يجرد العباد من حق السلطان والحاكمية، إلا تطبيقا لشريعة اللّه، وتقريرا لسلطانه في الأرض.
ومن هذه الحتمية ينشأ الحكم الذي تقرره الآيات في سياق السورة: «ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل اللّه فأولئك هم الْكافرون» .. «ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل اللّه فأولئك هم الظّالمون» .. «ومنْ لمْ يحْكمْ بما أنْزل اللّه فأولئك هم الْفاسقون» .. ذلك أن الذين لا يحكمون بما أنزل اللّه يعلنون رفضهم لألوهية اللّه - سبحانه - ورفضهم لإفراد اللّه - سبحانه - بهذه الألوهية. يعلنون هذا الرفض بعملهم وواقعهم ولو لم يعلنوه بأفواههم وألسنتهم. ولغة العمل والواقع أقوى وأكبر من لغة الفم واللسان. ومن ثم يصمهم القرآن بالكفر والظلم والفسق، أخذا من رفضهم لألوهية اللّه - حين يرفضون حاكميته المطلقة وحين يجعلون لأنفسهم خاصة الألوهية الأولى فيشرعون للناس من عند أنفسهم ما لم يأذن به اللّه. [1]
لقد كمل هذا الدين، وتمت به نعمة اللّه على المسلمين. ورضيه اللّه لهم منهج حياة للناس أجمعين. ولم يعد هنالك من سبيل لتعديل شيء فيه أو تبديله، ولا لترك شيء من حكمه إلى حكم آخر، ولا شيء من شريعته إلى شريعة أخرى. وقد علم اللّه حين رضيه للناس، أنه يسع الناس جميعا. وعلم اللّه حين رضيه مرجعا أخيرا أنه يحقق الخير للناس جميعا. وأنه يسع حياة الناس جميعا، إلى يوم الدين. وأي تعديل في هذا المنهج - ودعك من العدول عنه -
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:1205)