هو إنكار لهذا المعلوم من الدين بالضرورة. يخرج صاحبه من هذا الدين. ولو قال باللسان ألف مرة: إنه من المسلمين! وقد علم اللّه أن معاذير كثيرة يمكن أن تقوم وأن يبرر بها العدول عن شيء مما أنزل اللّه واتباع أهواء المحكومين المتحاكمين .. وأن هواجس قد تتسرب في ضرورة الحكم بما أنزل اللّه كله بلا عدول عن شيء فيه، في بعض الملابسات والظروف. فحذر اللّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآيات مرتين من اتباع أهواء المتحاكمين، ومن فتنتهم له عن بعض ما أنزل اللّه إليه ..
وأولى هذه الهواجس: الرغبة البشرية الخفية في تأليف القلوب بين الطوائف المتعددة، والاتجاهات والعقائد المتجمعة في بلد واحد. ومسايرة بعض رغباتهم عندما تصطدم ببعض أحكام الشريعة، والميل إلى التساهل في الأمور الطفيفة، أو التي يبدو أنها ليست من أساسيات الشريعة!
وقد روي أن اليهود عرضوا على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنوا له إذا تصالح معهم على التسامح في أحكام بعينها منها حكم الرجم [1] ... وأن هذا التحذير قد نزل بخصوص هذا العرض .. ولكن الأمر - كما هو ظاهر - أعم من حالة بعينها وعرض بعينه. فهو أمر يعرض في مناسبات شتى، ويتعرض له أصحاب هذه الشريعة في كل حين .. وقد شاء اللّه - سبحانه - أن يحسم في هذا الأمر، وأن يقطع الطريق على الرغبة البشرية الخفية في التساهل مراعاة للاعتبار ات والظروف، وتأليفا للقلوب حين تختلف الرغبات والأهواء.
فقال لنبيه: إن اللّه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة ولكنه جعل لكل منهم طريقا ومنهاجا وجعلهم مبتلين مختبرين فيما آتاهم من الدين والشريعة، وما آتاهم في الحياة كلها من عطايا. وأن كلا منهم يسلك طريقه ثم يرجعون كلهم إلى اللّه، فينبئهم بالحقيقة، ويحاسبهم
(1) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَابْنُ صُورِيَا وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ , فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ , وَأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَنَا يَهُودُ وَلَمْ يُخَالِفُونَا , وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا خُصُومَةً , فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ , فَتَقْضِي لَنَا عَلَيْهِمْ وَنُؤْمِنُ لَكَ وَنُصَدِّقُكَ. فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ 2 , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة:49] إِلَى قَوْلِهِ: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة:118] "تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (8/ 502) فيه جهالة، وانظر الخبر بطوله في دلائل النبوة للبيهقي محققا (2/ 534) "