فهرس الكتاب
فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَحْيَا وَمَمَاتٍ فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ فِي غَايَةِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي تَرْكِهِ ذَهَابُ السَّعَادَتَيْنِ أَوْ نَقْصُهُمَا؛ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا مَعَ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهَا، فَالْجِهَادُ أَنْفَعُ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ شَدِيدٍ وَقَدْ يَرْغَبُ فِي تَرْفِيهِ نَفْسِهِ حَتَّى يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ فَمَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ.
وَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْقِتَالِ الْمَشْرُوعِ هُوَ الْجِهَادُ وَمَقْصُودُهُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ هَذَا قُوتِلَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [1]
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمُمَانَعَةِ وَالْمُقَاتِلَةِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرَّاهِبِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا يُقْتَلُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَرَى إبَاحَةَ قَتْلِ الْجَمِيعِ لِمُجَرَّدِ الْكُفْرِ؛ إلَّا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ؛ لِكَوْنِهِمْ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ هُوَ لِمَنْ يُقَاتِلُنَا [2] إذَا أَرَدْنَا إظْهَارَ دِينِ اللَّهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] .
وَفِي السُّنَنِ عَنْ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟» فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ
(1) - الْقصْدُ مِن الْجِهادِ دعْوةُ غيْرِ الْمُسْلِمِين إِلى الإِسْلامِ، أوِ الدُّخُول فِي ذِمّةِ الْمُسْلِمِين ودفْعِ الْجِزْيةِ، وجريانُ أحْكامِ الإِسْلامِ عليْهِمْ، وبِذلِك ينْتهِي تعرُّضُهُمْ لِلْمُسْلِمِين، واعْتِداؤُهُمْ على بِلادِهِمْ، ووُقُوفُهُمْ فِي طرِيقِ نشْرِ الدّعْوةِ الإِسْلامِيّةِ، وينْقطِعُ دابِرُ الْفسادِ، قال تعالى: {وقاتِلُوهُمْ حتّى لا تكُون فِتْنةٌ ويكُون الدِّينُ لِلّهِ فإِنِ انْتهوْا فلا عُدْوان إِلّا على الظّالِمِين} [البقرة:193] .وقال عزّ وجل: {هُو الّذِي أرْسل رسُولهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحقِّ لِيُظْهِرهُ على الدِّينِ كُلِّهِ ولوْ كرِه الْمُشْرِكُون} [التوبة:33] .وقدْ مضتْ سُنّةُ رسُول اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - وسِيرتُهُ، وسِيرةُ الْخُلفاءِ الرّاشِدِين مِنْ بعْدِهِ على جِهادِ الْكُفّارِ، وتخْيِيرِهِمْ بيْن ثلاثةِ أُمُورٍ مُرتّبةٍ وهِي: قبُول الدُّخُول فِي الإِسْلامِ، أوِ الْبقاءُ على دِينِهِمْ مع أداءِ الْجِزْيةِ، وعقْدُ الذِّمّةِ. فإِنْ لمْ يقْبلُوا، فالْقِتال. ولا ينْطبِقُ هذا على مُشْرِكِي الْعربِ. المفصل في فقه الجهاد - ط2 (ص: 1425) والموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (16/ 132)
(2) - يعني من غير المقاتلين كالنساء والأطفال ونحوهم، ولقد احتج فقهاء الهزيمة بهذا الكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية لإنكار جهاد الطلب على حدِّ زعمهم، ونسوا قوله المحكم الصريح في بداية الكلام وهو قوله:"فَمَنْ امْتَنَعَ مِنْ هَذَا قُوتِلَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ"