فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 3472

بِمَنْزِلَتِهِ، وَلَا فَسَادَ لِمَا تَمَهَّدَ مِنْ شَرِيعَتِهِ، وَقَدْ سُحِرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى صَارَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي هَذَا الْحَالِ كَلَامٌ فِي الْأَحْكَامِ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ، فَإِذَا عَلِمْتَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرَادَ كِتَابَتَهُ فَقِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى الْخِلَافَةِ فِي إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ لِئَلَّا يَقَعَ نِزَاعٌ. قُلْتُ: هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا إِذِ التَّنْصِيصُ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوِ الْعَبَّاسِ أَوْ عَلِيٍّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى كِتَابَةٍ، بَلْ كَانَ مُجَرَّدُ الْقَوْلِ كَافِيًا، وَلِلْمَقْصُودِ وَافِيًا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بِنِيَابَةِ الْإِمَامَةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ: ( «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» ) نَعَمْ، لَوْ قِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ الْخِلَافَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ خَلْفَ وَفَاتِهِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَظُهُورِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ، وَنَبِيهٌ، وَلَكِنْ أَرَادَ اللَّهُ الْأَمْرَ مَسْتُورًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، وَقِيلَ: أَرَادَ كِتَابًا يُبَيِّنُ فِيهِ مُهِمَّاتِ الْأَحْكَامِ مُلَخَّصَةً لِيَرْتَفِعَ النِّزَاعُ وَيَحْصُلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. قُلْتُ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ نِزَاعٌ لِيَرْتَفِعَ وَلَا خِلَافٌ لِيَنْدَفِعَ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ مِنَ الزَّمَانِ مِمَّا سَيَقَعُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَقَدْ أَخْبَرَ بِوُقُوعِهِ بِقَوْلِهِ: ( «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» ) (1) وَبِقَوْلِهِ: ( «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» ) وَبِقَوْلِهِ: ( «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» ) وَبِقَوْلِهِ ( «وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونُ» ) .وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ - إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:118 - 119] عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الْمُتَفَرِّقَةَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً كَيْفَ تَصِيرُ مُلَخَّصَةً مَنْصُوصَةً فِي سَاعَةٍ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا اخْتِلَافُ الْأُمَّةِ. نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ قَصْدُ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا يُبَيِّنُ فِيهِ بَعْضَ الْأَحْكَامِ الَّتِي قَدْ تُوجَدُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْآتِيَةِ مِمَّا لَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْكِتَابِ، وَلَا بِمَحْفُوظٍ فِي السُّنَّةِ لَا يَبْعُدُ مِنْ طَرِيقِ الرَّأْفَةِ وَسَبِيلِ الرَّحْمَةِ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْعَامَّةِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا يُبَيِّنُ فِيهِ طَرِيقَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، وَيُفَصِّلُ فِيهِ أَحْوَالَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ وَسَائِرِ الْمُبْتَدَعَةِ.

(فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ) :أَرَادَ بِمَا ذَكَرَهُ التَّخْفِيفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ شِدَّةِ الْوَجَعِ وَقَوْلُهُ: (وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ حَسْبُكُمْ كِتَابُ اللَّهِ) .أَيْ: كَافِيكُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل

ــــــــــ

(1) هذا الحديث لا أصل له في المرفوع، وإن كان معناه صحيحًا، وقد صح نحوه عن بعض التابعين، والمقصود الاختلاف في الأحكام الشرعية الفرعية، وقد فصلت القول في معنها في الخلاصة في أحكام الاجتهاد والتقليد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت