وَقَدَّسَهَا فِي الصَّلَاةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي مِثْلِ هَذَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَقِيقَتَهُ، فَلِهَذَا الْمَعْنَى وَشِبْهِهِ رَاجَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَهَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَكَذَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: أَهَجَرَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى هَجَرَ بِغَيْرِ هَمْزٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - لِأَنَّ مَعْنَى هَجَرَ هَذَى، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا مِنْ قَائِلِهِ اسْتِفْهَامًا لِلْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تَكْتُبُوا أَيْ: لَا تَتْرُكُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَجْعَلُوهُ كَأَمْرِ مَنْ هَجَرَ فِي كَلَامِهِ ; لِأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَا يَهْجُرُ، وَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى كَانَتْ خَطَأً مِنْ قَائِلِهَا لِأَنَّهُ قَالَهَا بِغَيْرِ ثَبْتٍ لِمَا أَصَابَهُ مِنَ الْحَيْرَةِ وَالدَّهْشَةِ لِعَظْمِ مَا شَاهَدَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَفَاتِهِ. وَخَوْفِ الْفِتَنِ وَالضَّلَالِ بَعْدَ حَيَاتِهِ. أَقُولُ: لَوْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ لَزِمَ حَمْلُهَا عَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (اسْتَفْهِمُوهُ) .بِكَسْرِ الْهَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِهَا، وَهَذَا فَتْحُ الْبَارِي قَوْلُهُ: أَهَجَرَ؟ بِهَمْزَةٍ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْجِهَادِ بِلَفْظِ قَالُوا: هَجَرَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَعِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَالُوا: هَجَرَ هَجَرَ.
قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى أَهَجَرَ أَفَحَشَ، يُقَالُ: هَجَرَ الرَّجُلُ إِذَا هَذَى، وَأَهَجَرَ إِذَا فَحَشَ وَتَعَسَّفَ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ سُكُونَ الْهَاءِ وَالرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إِنَّمَا هِيَ بِفَتْحِهَا، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَخَصَّهُ الْقُرْطُبِيُّ تَلْخِيصًا حَسَنًا، ثُمَّ لَخَّصْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: هَجَرَ الرَّاجِحُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَبِفَتَحَاتٍ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَقَعُ مِنْ كَلَامِ الْمَرِيضِ مِمَّا لَا يَنْتَظِمُ، وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ وَوُقُوعُ ذَلِكَ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَحِيلٌ ; لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4] وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: ( «إِنِّي لَا أَقُولُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا إِلَّا حَقًّا» ) .وَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا مَالَ مَنْ قَالَ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ يَتَوَقَّفُ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ بِإِحْضَارِ أَسْبَابِ الْكِتَابَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَتَتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ، أَتَظُنُّ أَنَّهُ بِتَغَيُّرِهِ يَقُولُ الْهَذَيَانَ فِي مَرَضِهِ امْتَثِلْ أَمْرَهُ وَأَحْضِرْ مَا طَلَبَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَنْ شَكٍّ عَرَضَ لَهُ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ أَنْ لَا يُنْكِرَهُ الْبَاقُونَ