عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَلَوْ أَنْكَرُوهُ لَنُقِلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ قَالَ ذَلِكَ مِنْ دَهْشَتِهِ وَحَيْرَتِهِ، كَمَا أَصَابَ كَثِيرًا مِنْهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَائِلِ ذَلِكَ أَرَادَ اشْتِدَادَ وَجَعِهِ، فَأَطْلَقَ اللَّازِمَ، وَأَرَادَ الْمَلْزُومَ لِأَنَّ الْهَذَيَانَ الَّذِي يَقَعُ مِنَ الْمَرِيضِ يَنْشَأُ عَنْ شِدَّةِ مَرَضِهِ وَاشْتِدَادِ وَجَعِهِ. وَقِيلَ، قَالَ: لِإِرَادَةِ سُكُوتِ الَّذِينَ لَغَطُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ وَيُفْضِي فِي الْعَادَةِ إِلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَهَجَرَ فِعْلًا مَاضِيًا مِنَ الْهَجْرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْحَيَاةَ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الْمَاضِي مُبَالَغَةً لِمَا رَأَى مِنْ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ تَرْجِيحُ ثَالِثِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقُرْطُبِيُّ، وَيَكُونُ قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ قَرُبَ دُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ اه. وَأَقُولُ: هَذَا بَعِيدٌ مِنَ الْمَرَامِ وَمَقَامِ الْكِرَامِ، فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ مَعَ الْأَصْحَابِ الْفِخَامِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا يَسْكُتُونَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ زَجْرٍ وَلَوْ بِالْكَلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ اشْتَدَّ بِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَجَعُهُ، فَقَالَ: «ائْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا» ،فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ، أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ؟ فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «دَعُونِي، فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونِي إِلَيْهِ» وَأَوْصَاهُمْ بِثَلاَثٍ، قَالَ: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ» وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ أَوْ قَالَ فَنَسِيتُهَا""
(فَذَهَبُوا) ،أَيْ: فَشَرَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ (يَرُدُّونَ عَلَيْهِ) ،أَيْ: هَذَا الرَّأْيَ صَرِيحًا بِخِلَافِ قَوْلِ عُمَرَ فَإِنَّهُ كَانَ تَلْوِيحًا (فَقَالَ:(دَعُونِي) ،أَيِ اتْرُكُونِي (ذَرُونِي) ،بِمَعْنَاهُ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَالْمَعْنَى دَعُونِي مِنَ النِّزَاعِ وَاللَّغَطِ الَّذِي شَرَعْتُمْ فِيهِ (فَالَّذِي أَنَا فِيهِ) ،أَيْ: مِنْ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ، تَعَالَى، وَالتَّأَهُّبِ لِلِقَائِهِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ (خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) .أَيْ أَفْضَلُ مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَاللَّغَطِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: ( «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» ) .وَالِاخْتِلَافُ فِي الدِّينِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ كُفْرٌ، وَثَانِيهَا: فِي صِفَاتِهِ وَإِنْكَارُهَا بِدْعَةٌ. وَثَالِثُهَا: فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمُحْتَمِلَةِ وُجُوهًا، فَهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ، تَعَالَى، رَحْمَةً وَكَرَامَةً لِلْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إِنْ