فهرس الكتاب

الصفحة 888 من 3472

قِيلَ: كَيْفَ جَازَ لِلصَّحَابَةِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَعَ قَوْلِهِ: (ائْتُونِي أَكْتُبْ) فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَوَامِرَ يُقَارِنُهَا قَرَائِنُ تَنْقُلُهَا مِنَ النَّدْبِ إِلَى الْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ قَالَ أَصْلُهَا النَّدْبُ، وَمِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ عِنْدَ مَنْ قَالَ أَصْلُهَا الْوُجُوبُ، فَلَعَلَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْقَرَائِنِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، بَلْ جَعَلَهُ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ، فَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُهُمْ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِمْ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِمْ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَأَدَّى اجْتِهَادُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِلَى الِامْتِنَاعِ، وَلَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ جَازِمٍ، وَكَانَ هَذَا قَرِينَةً فِي إِرَادَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ) ،أَيْ: خِصَالٍ (فَقَالَ) :تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) ،مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ (وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ) ،أَيْ: أَكْرِمُوا الْوَافِدِينَ عَلَيْكُمْ وَالْوَاصِلِينَ إِلَيْكُمْ مِنْ حَوَالَيْكُمْ، وَأَعْطُوهُمُ الْجَائِزَةَ وَالْعَطِيَّةَ فِيمَا لَدَيْكُمْ (بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ) .أَيْ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً وَالتَّمْيِيزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَمَرَ - صلى الله عليه وسلم - بِإِكْرَامِ الْوُفُودِ وَضِيَافَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ، وَتَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ وَقَالُوا: سَوَاءً كَانَ الْوَفْدُ مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا ; لِأَنَّ الْكَافِرَ إِنَّمَا يَفِدُ غَالِبًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِنَا وَمَصَالِحِهِ. (وَسَكَتَ) ،أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ (عَنِ الثَّالِثَةِ) ،أَيْ: نِسْيَانًا مِنْهُ أَوِ اقْتِصَارًا (أَوْ قَالَهَا) أَيْ ذَكَرَهَا (فَنَسِيتُهَا) .وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ (قَالَ سُفْيَانُ) .الظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ (هَذَا) ،أَيْ: قَوْلُهُ سَكَتَ (مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ) .أَيِ الْأَحْوَالِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: السَّاكِتُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنَّاسِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. قَالَ مُهَلَّبٌ: وَالثَّالِثَةُ تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: ( «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» ) [1]

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْمُرَادُ بِالْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْحِجَازُ، فَتَجُوزُ إِقَامَتُهُمْ فِي غَيْرِ الْحِجَازِ مِنَ الْجَزِيرَةِ، لأَِنَّ أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ لَمْ يُخْرِجِ

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3850)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت