مَأْمُولًا لَهُ الظُّفْرُ وَالْفَوْزُ، وَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ الْعَمَلُ الْخَبِيثُ كَانَ مَخُوفًا عَلَيْهِ الْهَلَاكُ وَالْخُسْرَانُ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ تَيَسَّرَ لِلْيُسْرَى وَانْتَفَعَ بِالذِّكْرَى وَمَا ذَكَرْت عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ وَسَبِّ دَارِ الْإِسْلَامِ وَتَمَنِّي الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الشِّرْكِ وَالْأَصْنَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَةِ الَّتِي لَا تُصْدَرُ إلَّا مِنْ اللِّئَامِ يُوجِبُ لَهُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَنْزِلُهُمْ أَسْوَأَ الْمَنَازِلِ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ مَكَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ وَيَسَّرَهُ لِلْيُسْرَى أَنْ يَقْبِضَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَيُرْهِقُهُمْ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ وَالتَّنْكِيلَ الْمُبَرَّحَ ضَرْبًا وَسِجْنًا حَتَّى لَا يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ فِتْنَةَ هَؤُلَاءِ فِي الْأُمَّةِ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ فِتْنَةِ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وَنَهْبِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ هَلَكَ هَالِكٌ فَإِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرِيمِ عَفْوِهِ مَنْ هَلَكَ دِينُهُ فَإِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ وَعَظِيمِ سَخَطِهِ، فَإِنَّ مَحَبَّةَ الْمُوَالَاةِ الشِّرْكِيَّةِ وَالْمُسَاكَنَةِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْعَزْمِ عَلَى رَفْضِ الْهِجْرَةِ وَالرُّكُونِ إلَى الْكُفَّارِ وَالرِّضَا بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ إلَيْهِمْ وَنَبْذِ الْعِزَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالطَّاعَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْبَيْعَةِ السُّلْطَانِيَّةِ وَظُهُورِ السُّلْطَانِ النَّصْرَانِيِّ عَلَيْهَا وَإِذْلَالِهِ إيَّاهَا بِفَوَاحِشَ عَظِيمَةٍ مُهْلِكَةٍ قَاصِمَةِ الظُّهُورِ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - وَأَمَّا جُرْحَةُ الْمُقِيمِ وَالرَّاجِحِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالْمُتَمَنِّي الرُّجُوعِ وَتَأْخِيرُهُ عَنْ الْمَرَاتِبِ الْكَمَالِيَّةِ مِنْ قَضَاءٍ وَشَهَادَةٍ وَإِمَامَةٍ فَمِمَّا لَا خَفَاءَ وَلَا امْتِرَاءَ عَمَّنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٌ مِنْ الْفُرُوعِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَالْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَكَمَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ كَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ خِطَابُ حُكَّامِهِمْ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَشَرْطُ قَبُولِ خِطَابِ الْقَاضِي صِحَّةُ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ بِوَجْهٍ احْتِرَازًا مِنْ مُخَاطَبَةِ قُضَاةِ أَهْلِ الْجِبَالِ كَقُضَاةِ مُسْلِمِي بُلُنْسِيَةَ وَطَرْطُوشَةَ وَخَوْصَرَةَ عِنْدَنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ اهـ.
وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَحْكَامٍ تَأْتِي فِي زَمَانِهِ مِنْ صِقِلِّيَّةَ مِنْ عِنْدِ قَاضِيهَا أَوْ شُهُودِ عُدُولِهَا هَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَمْ لَا مَعَ أَنَّهَا ضَرُورَةٌ وَلَا تُدْرَى إقَامَتُهُمْ هُنَاكَ تَحْتَ أَهْلِ الْكُفْرِ هَلْ هِيَ اضْطِرَارٌ، أَوْ اخْتِيَارٌ.
(فَأَجَابَ) الْقَادِحُ فِي هَذَا وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ يَشْمَلُ الْقَاضِيَ وَبَيِّنَاتِهِ مِنْ نَاحِيَةِ اخْتِلَالِ الْعَدَالَةِ إذْ لَا يُبَاحُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي قِيَادِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالثَّانِي مِنْ نَاحِيَةِ الْوِلَايَةِ إذْ الْقَاضِي