مُوَلَّى مَنْ قِبَلِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْأَوَّلُ لَهُ قَاعِدَةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشَبَهُهَا وَهِيَ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ وَمُبَاعَدَةُ الْمَعَاصِي عَنْهُمْ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهَا لِاحْتِمَالَاتٍ كَاذِبَةٍ وَتَوَهُّمَاتٍ وَاهِيَةٍ كَتَجْوِيزِ مَنْ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ، وَقَدْ يَجُوزُ فِي الْخَفَاءِ وَنَفْسُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً إلَّا مَنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عِصْمَتِهِ، وَهَذَا التَّجْوِيزُ مَطْرُوحٌ وَالْحُكْمُ لِلظَّاهِرِ إذْ هُوَ الْأَرْجَحُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْحَالِ مَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ عَنْ الْعَدَالَةِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ حِينَئِذٍ حَتَّى يَظْهَرَ بِأَيِّ وَجْهٍ زَوَالُ مُوجِبِ رَاجِعِيَّةِ الْعَدَالَةِ وَيَبْقَى الْحُكْمُ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَرَائِنَ مَحْصُورَةٍ فَيَعْمَلُ عَلَيْهَا وَقَرَائِنُ الْعَدَالَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَمْرٍ مُطْلَقٍ مُتَلَقًّى، وَقَدْ أَمْلَيْتُ مِنْ هَذَا طَرَفًا فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَذَكَرْتُ طَرِيقَةَ أَبِي الْمَعَالِي لَمَّا تَكَلَّمَ فِيمَا جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ الْوَقَائِعِ وَالْفِتَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -،وَهَذَا الْمُقِيمُ بِبَلَدِ الْحَرْبِ إنْ كَانَ اضْطِرَارًا فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ صَحِيحًا مِثْلُ إقَامَتِهِ بِبَلَدِ الْحَرْبِ لِرَجَاءِ فَدَايَةِ الْحَرْبِ وَنَقْلِهِمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَاقِلَّانِيُّ وَكَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِ الدُّخُولِ لِفِكَاكِ الْأَسِيرِ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ التَّأْوِيلِ اخْتِيَارًا، فَهَذَا قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الدَّاخِلِ اخْتِيَارَ التِّجَارَةِ فَمَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ مِنْهُمْ وَشَكَّ فِي إقَامَتِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَالْأَصْلُ عُذْرُهُ؛ لِأَنَّ جُلَّ الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ تَشْهَدُ لِعُذْرِهِ فَلَا تُرَدُّ لِاحْتِمَالٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرَائِنُ تَشْهَدُ أَنَّ إقَامَتَهُ كَانَتْ اخْتِيَارًا لَا لِوَجْهٍ، وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي، وَهُوَ تَوْلِيَةُ الْكَافِرِ لِلْقُضَاةِ وَالْأُمَنَاءِ وَغَيْرِهِمْ لِحَجْزِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، فَقَدْ ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا تَوْلِيَةَ الْكَافِرِ لِهَذَا الْقَاضِي.
وَإِمَّا بِطَلَبِ الرَّعِيَّةِ لَهُ، أَوْ إقَامَتِهِ لَهُمْ لِلضَّرُورَةِ لِذَلِكَ فَلَا يُطْرَحُ حُكْمُهُ وَيُنَفَّذُ كَمَا لَوْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ مُسْلِمٌ وَفِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَالِفِ لِيَقْضِينَك حَقَّك إلَى أَجَلٍ أَقَامَ شُيُوخُ الْمَكَانِ مَقَامَ السُّلْطَانِ عِنْدَ فَقْدِهِ لِمَا يَخَافُ مِنْ فَوَاتِ الْقَضِيَّةِ وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ وَغَلَبَ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّى قَاضِيًا عَدْلًا فَأَحْكَامُهُ نَافِذَةٌ اهـ.