الْخَلَائِقِ الْمَبْعُوثِ بِجَمِيلِ الْخَلَائِقِ الْقَامِعِ بِلِسَانِهِ وَسَيْفِهِ وَبُرْهَانِهِ أَهْلَ الْبَاطِلِ وَالْعِنَادِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ وَازَرُوهُ عَلَى إظْهَارِ الْخِزْيِ عَنْهُ مِنْ الْأَضْدَادِ فَجَلَبُوا بِبَرَكَتِهِ لِأُمَّتِهِ الْمَصَالِحَ وَبَذَلُوا لَهُمْ النَّصَائِحَ وَدَفَعُوا الْفَسَادَ صَلَاةً وَسَلَامًا فَنَالَ بِبَرَكَتِهِمَا مِنْ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ مَا يَخْرُجُ عَنْ الْمُعْتَادِ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْأَخُ الْكَرِيمُ مَسْجِدُهُ الْجَمِيلُ مُعْتَقَدُهُ، فَإِنَّ جَوَابَ سُؤَالِك يَتَوَقَّفُ عَلَى تَقْرِيرِ مُقَدِّمَةٍ بِتَقْرِيرِهَا يَتَبَيَّنُ مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَسْئُولُ عَنْهُ فَنَقُولُ الصُّلْحُ الْوَاقِعُ بَيْنَ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْدَاءِ الدِّينِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ حَيْثُ يَكُونُ الْجِهَادُ فَرْضَ كِفَايَةٍ.
وَالثَّانِي حَيْثُ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَحَيْثُ يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ طَالِبِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ الْحَرْبِيِّينَ فَالصُّلْحُ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا الْإِمَامُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ جَائِزٌ عِنْدَ الْمَالِكِيِّينَ وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سَحْنُونَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَبْعُدُ فِي الْمُدَّةِ وَنَقَلَ ابْنُ شَاسٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ لَا تَكُونَ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ إلَّا مَعَ الْعَجْزِ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَمَهْمَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الصُّلْحُ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَدُوُّ طَالِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ يَفْجَأُ مَوْضِعَهُمْ، وَهُوَ ضِعْفُ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَلُّ لَا شِدَّةَ وَعُدَّةَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ نَزَلَ بِهِمْ، وَمَنْ قَارَبَهُمْ دَفْعَهُمْ فِي الْحِينِ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الدَّاوُدِيِّ فَرْضِيَّةَ الْجِهَادِ عَلَى مَنْ يَلِي الْعَدُوَّ وَيَسْقُطُ عَمَّنْ بَعُدَ عَنْهُ وَقَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِتَعَلُّقِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِمَنْ حَضَرَ مَحَلَّ تَعَلُّقِهِ قَادِرًا عَلَيْهِ دُونَ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ لِعُسْرِهِ، فَإِنْ عَصَى الْحَاضِرُ تَعَلَّقَ بِمَنْ يَلِيهِ وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْجِهَادِ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُوجِبُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ.
وَفِي تَلْقِينِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ قَدْ يَتَعَيَّنُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَنْ يَفْجَؤُهُمْ الْعَدُوُّ.
وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ سَحْنُونَ إنْ نَزَلَ أَمْرٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْجَمِيعِ كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضًا
وَلَوْ سَبَى الْمُشْرِكُونَ النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ وَالْأَمْوَالَ وَجَبَ اسْتِنْقَاذُهُمْ عَلَى مَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخَافُوا عَلَى أَنْفُسهمْ، أَوْ عَلَى أَهْلِيهِمْ بِرُؤْيَةِ سُفُنٍ، أَوْ خَبَرٍ عَنْهَا فَكُلُّ مَا نُقِلَ فِي تَعَيُّنِ