[السُّؤَالُ] ـ [أنا آنسة ـ 33 سنةـ كنت مرتبطة بزميل لي في العمل ولم نتمكن بسبب الظروف الاقتصادية من الزواج وتركت العمل لمدة أربع سنوات ورجعت لنفس العمل مرة أخرة لأجده متزوجا ولديه طفلتان وشعرت بالانجذاب إليه مرة أخرى فصارحته بأني أوافق أن أكون له زوجة ثانية فرفض وقال انه يعاملنى بمودة الزميلة والأخت العزيزة فقط ومر عامان على ذلك ورجعت أشعر تجاهه بالرغبة في الزواج منه وأن معاملته لى تتعدى معاملة الزملاء وقد كنت حصلت في خلال السنتين على شقة صغيرة ملكًا لى فأعطانى هذا الجرأة على التحدث إليه ثانية باني سأساعده في النفقات ولن أكلفه فوق طاقته ففؤجئت به يقول لي إن شعوره نحوي مجرد مودة مع العلم أن كثيرا من الزملاء لاحظوا أنه يعاملني بطريقة تفوق المودة والزمالة وقال لي إن زوجته ليس من ذنبها أنه كان مرتبطا قبل ذلك وأنه بمجرد ظهوري في حياته ثانية معناه أنه يتزوجني عليها وهذا جرح لمشاعرها وأخذ حقها على العلم أنه رجل متدين جدًا وأثير موضوع التعدد بيننا في العمل عدة مرات وكان رأيه من المؤيديين للتعدد دائمًا وكان هذا من ضمن ما شجعني على الحديث معه في هذا الموضوع إلى جانب أنني أبلغ من العمر 33 سنة وعملت لمدة 9 سنوات وعلى خبرة تكفيني لأعلم معاملة من حولى ما هو هدفها فلست مراهقة أدعي عليه أن في معاملته شيء زائد عن الطبيعي ومع العلم بأني الحمد لله متدينة ومحجبة ومقيمة لفروضي كلها بما أتمنى أن يرضى بها الله عني إن شاء الله ـ ويعلم الله بأني لا أريد أي ضرر لزوجته وأولاده بل على العكس إن نيتى مساعدته في تربيتهم مع أولادي منه إذا قدر الله لي الإنجاب ــ وعندما تحدثت معه بصراحة بأني لن أكون صديقة أو مجرد زميلة وقت العمل وعليه أن يختار بأن يرتبط بي رسميًا وأساعده في نفقات الزواج مني حتى يفتح الله عليه بإذن الله أو يكون التعامل بيننا في أضيق الحدود التي يحتاجها العمل كان رده ان دماغه لفت ويفكر وبعد ذلك قال لي إن هذا الارتباط الأمل فيه ضعيف جدًا والأحسن أنه يكون في ألم حاليا أحسن من التعلق بهذا الأمل الضعيف ـــ وأنا الآن في حيرة من أمر هذا الرجل هل هو فعلًا لا يريدني زوجة له لمجرد الحفاظ على مشاعر زوجته الأولى وأنه لا يعيش في الدنيا لوحده على حد قوله أم أنه لا يريدنى زوجة له مطلقًا وأن هذ االشعور الذي شعرت به منه من وحي خيالي المريض وشيطاني المسلط علي بالتعلق به كل هذه المدة مع العلم أني استخرت الله في كل شيء قبل أن أفاتحه بالكلام وهذه الأستخارة كنت أقوم بها كل يوم تقريبًا حتى أصبحت وكأنها سنة من سنن العشاء ـ وسؤالى الآن لفضيلتكم هو أنه رغمًا عني سيتم التعامل بيننا بأي حال من الأحوال طالما أننا في عمل واحد وأنا من داخلي أتمنى هذا الرجل زوجًا لي فهل أترك العمل وأبحث عن عمل آخر مع العلم أني محتاجة لراتبي جدًا ولكني على استعداد بأن أقوم بهذه الخطوة في حالة إصراره على رأيه بأننا مجرد زملاء وإخوة فقط لأني أخشى أن أغضب الله في استمراري بالتواجد أمامه وضعف نفسى التي أحبته وتعلقت به وليس لي في ذلك شيء فهو رغمًا عني فالحديث دائم بيننا بحكم التواجد والعمل معًا وبالتالي فيزداد تعلقى به وأنا واثقة بأني لو تركت العمل سوف يعوضني الله خيرًا عن العمل وعن الرجل الذى رفضني وأنا أبغيه في حلال الله وبدون أذى لأحد من أهل بيته أليس لى الحق أنا الأخرى في أن أتزوج وأنجب وأعيش حياه طبيعية ولماذا هذا الحق تستأثر به زوجته الأولى وهو شرع الله الذي شرعه لعباده فلمجرد عدم جرح مشاعرها وأذيتها نفسيًا أظل أنا بدون زوج وأولاد ومتأذية نفسيًا وعاطفيًا أنا الأخرى على الرغم أني على استعداد تام للمساعدة المادية والتنازل عن كثير من النفقات والمشاركة في تربية الأولاد فإني نشأت على التدين وحب الأطفال والاستقرار والتعاون والعطاء ولا أزكي نفسي فقط أوضح بعض الأشياء التي يجب أن تعلموها ليكون ردكم على سؤالي صحيح وواضح في هذا الرجل هل هو ضعف أم جبن؟ وهل أترك عملي أم لا ــ وشكرًا لحسن استماعكم لي وأرجو عدم التأخر علي في الإجابة؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله تعالى أن يهيئ لك الزوج الصالح الذي تقر به عينك، وعليك أن تُعرضي عن هذا الرجل، وتتخذي الوسائل التي تساعدك على الزواج بغيره مثل عرض نفسك بواسطة أحد محارمك أو إحدى الزميلات الملتزمات على من ترتضين دينه وخلقه، فالرجال سواه كثير، فما دمت قد استخرت الله في شأنه مرات ولم يوافق على زواجك فاتركيه، فلعل الخير في غيره، لا سيما أن مثلك ممن هي موظفة وعندها سكن ملك لها تكثر رغبة الرجال فيها.
واعلمي أن عرض المرأة نفسها على الرجل وتعريفه رغبتها فيه لصلاحه، أو فضله أو علمه أو غير ذلك من الأغراض المحمودة جائز شرعا ولا غضاضة فيه. فقد أخرج البخاري من حديث ثابت البناني قال: كنت عند أنس رضي الله عنه وعنده ابنة له، قال أنس: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها واسوأتاه، قال: هي خير منك، رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها. وقد أخرج البخاري من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب عرض ابنته حفصة على عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم عرضها بعده على أبي بكر رضي الله عنه، وذلك حين تأيمت من خنيس بن حذافة السهمي رضي الله عنه. وقد عرض الرجل الصالح إحدى ابنتيه على موسى عليه الصلاة والسلام؛ كما في قوله تعالى: قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ. {القصص: 27} .
ولا يمنعنك من زواج من ترتضين أخلاقه فقره، فإن الله تعهد بالعون والغنى للمتزوج طلبا للعفة وامتثالا لأمر الشرع، فقد قال الله تعالى: وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. {النور:32} . وقال أبو بكر رضي الله عنه: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم به من الغنى، قال تعالى: إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. {النور:32} .
وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله: إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. وقد نقل ابن كثير الأثرين السابقين عنهما. وفي الحديث: ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف. رواه أحمد وحسنه الألباني.
واعلمي أنه ليس للمرأة أن تستديم ما تفعله بنفسها من التعلق بالرجل الأجنبي عنها، فالواجب المبادرة بقطع كل وسيلة تؤدي إلى تمكن محبته في قلبك مع الإعراض عن الشعور والميل تجاهه، فجاهدي نفسك في سبيل التخلص من هذا الشعور بإشعار النفس باليأس من الشخص المحبوب، وبتذكر العواقب الوخيمة والمفاسد الخطيرة المترتبة على الاسترسال في هذه المحبة، وبتذكر قبائح المحبوب وما يدعو للنفرة منه.
فقد قال ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد: إشعار نفسه اليأس منه -أي من المحبوب- فإن النفس متى يئست من الشيء استراحت منه ولم تلتفت إليه، فإن لم يزُل مرض العشق مع اليأس فقد انحرف الطبع انحرافًا شديدًا فينتقل إلى علاج آخر، وهو علاج عقله بأن يعلم بأن تعلق القلب بما لا مطمع في حصوله نوع من الجنون، وصاحبه بمنزلة من يعشق الشمس، وروحه متعلقة بالصعود إليها، والدوران معها في فلكها، وهذا معدود عند جميع العقلاء في زمرة المجانين ... فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء، ولم تطاوعه لهذه المعالجة، فلينظر ما تجلب عليه هذه الشهوة من مفاسد عاجلته، وما تمنعه من مصالحها. فإنها أجلب شيء لمفاسد الدنيا، وأعظم شيء تعطيلا لمصالحها، فإنها تحول بين العبد وبين رشده الذي هو ملاك أمره، وقوام مصالحه، فإن لم تقبل نفسه هذا الدواء، فليتذكر قبائح المحبوب، وما يدعوه إلى النفرة عنه، فإنه إن طلبها وتأملها، وجدها أضعاف محاسنه التي تدعو إلى حبه، وليسأل جيرانه عما خفي عليه منها، فإن المحاسن كما هي داعية الحب والإرادة، فالمساوئ داعية البغض والنفرة، فليوازن بين الداعيين، وليجب أسبقهما وأقربهما منه بابا، ولا يكن ممن غره لون جمال على جسم أبرص مجذوم، وليجاوز بصره حسن الصورة إلى قبح الفعل، وليعبر من حسن المنظر والجسم إلى قبح المخبر والقلب، وأخيرًا كما يقول ابن القيم رحمه الله: فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صدق اللجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه، وليطرح نفسه بين يديه وعلى بابه، مستغيثًا به، متضرعا متذللًا، مستكينًا، فمتى وفق لذلك، فقد قرع باب التوفيق فليعف وليكتم، ولا يشبب بذكر المحبوب، ولا يفضحه بين الناس ويعرضه للأذى، فإنه يكون ظالمًا متعديًا.اهـ
وأنجح وسيلة لحل مشكلتك هي الإكثار من الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى. فأكثري سؤال الله أن يعينك على العفة ويطهر قلبك ويحصن فرجك، فهو القائل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ {غافر:60} ، وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {البقرة:186} ،
واحرصي على الاستفادة من الدعاء آخر الليل فهو مظنة للإجابة؛ لما في حديث مسلم: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يسألني فأعطيه. وإذا دعا المسلم ربه فعليه أن يكون عالي الهمة في الدعاء، فالرجال الخيرون كثير، فعلى المسلمة أن تسأل الله أن يرزقها زوجا صالحا يعينها على صلاح دينها ودنياها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: إذا سأل أحدكم فليكثر فإنما يسأل ربه. رواه ابن حبان وصححه الألباني، فواصلي الدعاء بأن يحقق الله لك الزواج بمن يرتضى خلقه ودينه ولا تملي، وأيقني أن الله لا يضيع دعاءك، ففي صحيح مسلم: يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله؛ ما الاستعجال؟ قال يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي، فيستحسر ويدع الدعاء.
وفي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا إذن نكثر، قال: الله أكثر. والحديث قال فيه الألباني في صحيح الترغيب: حسن صحيح، فلا تيأسي من رحمة الله وعونه، فربما يختار لك من هو أصلح من هذا الرجل.
وأكثري من الصيام، فإن له تأثيرا بالغا في استجابة الدعاء وفي كسر حدة الشهوة وكبح جماحها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء. متفق عليه.
وقال النووي في"المجموع": يستحب للصائم أن يدعو في حال صومه بمهمات الآخرة والدنيا، له ولمن يحب، وللمسلمين، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، والمظلوم. رواه الترمذي وابن ماجه. قال الترمذي: حديث حسن.
هذا.. وندعوك إلى الرضى بقدر الله تعالى فمن يدري، فقد يكون الله تعالى أراد بك خيرًا وصرف عنك شرا بما حصل، فهوني على نفسك هذا الأمر، واعلمي أن المؤمن لا يصيبه إلا ما هو خير له، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له. رواه مسلم.
واعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولعل ما حصل فيه لك خير كثير، قال الله تعالى: وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ {البقرة:216} ، وقال تعالى: فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا {النساء:19} ،
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 14 جمادي الأولى 1429