[السُّؤَالُ] ـ [اليوم يا إخوة الإيمان أسألكم الله أن تفتوني خيرًا إن شاء الله تعالى، اليوم يا إخوتي في الله قلبي ينفطر من شدة الحزن والأسى على ما فات من زمن هو الآن كلطخة سوداء في حياتي حتى إنه تتبعني في منامي وسيرتي ويكاد يحطم شخصيتي التي كانت من قبل كالفولاذ، فوالله تتبعني حتى وأنا أنوي الحلال ... فقد نويت منذ زمن ليس بالبعيد أن أخطب إحدى البنات من أجل إكمال نصف ديني، ولكن لن أقول الحظ أو أي شيء آخر خشية مني أن أنحرف على تعاليم ديني الحنيف فمن المعقول يا إخوتي في الله أن يسأل ولي أمر الفتاة عن الرجل الذي يطلب يد ابنته أو أخته فهذا حق مشروع من غير نقاش ولكن الصاعقة يا إخوتي أنه من قبل بعد سنتين جرت لي محادثة مؤلمة وهي أني نويت أن أبني لي طريقًا في هذه الدنيا بأن أستأجر متجرًا لأترزق به فكانت عندي بعض الأموال وكانت تنقضي فطلبت المساعدة من أخي فوافق ولكن أعطاني وقتًا محددًا متى يقرضني بعض المال لأنه كان قد وضع كل أمواله في مشروع صغير ... ولكن من شدة عدم صبري وهذا ما لا أحبذه في نفسي.. القلق وعدم صبري وجدت فرصة لا تعوض باستئجار مكان أعجبني جدًا حينها وفكرت أن أقترض المال من بعض الأصدقاء وبحيث أعجل عليهم الأمر فكرت حينما يقرضني أخي المال الذي تكلمنا عنه أن أرد به الدين لأصدقائي من مال أخي فيبقى الأمر بيني وبين أخي فلا أستعجل الأمر لأنه أخي، ولكن كانت الغلطة والفاجعة الكبيرة أني ارتكبت أكبر خطأ في حياتي وهو استقراضي الأموال من العديد من الأصدقاء الذين كنت أظن فعلًا أنهم أصدقائي والغريب في الأمر أني كنت صاحب فضل عليهم من قبل ظننت أن الأمر عادي حينها لأني كنت قليل التجربة والخبرة مع الناس كنت أظن كل من يضحك معي أو ألبي له طلبًا كان صغيرًا أو كبيرًا فهو صديقي وأخي كنت أرى ناسا هذه الدنيا في صورة كلها ألوان زاهية، ولكن واأسفاه تحطمت حياتي مع أول خبر قاتل ... أخي الذي وعدني بإقراضي المال خسر أمواله في صفقة فلاحة وهو لم يسمع من قبل أني اقترضت المال والفاجعة الأكبر من ذلك هو أني استأجرت ولم أستطع العودة إلى الخلف فزادت الأمور تعقيدًا عندما انتهت مدة استئجاري فزدت المدة ودفعت بعض الأموال مما كنت اقترضت لأن المكان الذي استأجرته مكان فيه تجارة جيدة، ولكني في واقع الأمر لم أكن أفكر بالشكل السليم والله كنت معمي العينين فزادت الأمور تعقيدًا خسرت أموالي بانتهاء مدة صلاحية عقد الكراء فخسرت مرة أخرى أموال الناس بكرائي مرة ثانية ولم يعد عندي مال لأكمل به ما بدأته فاقترضت مرة أخرى فزادت الأمور تعقيدًا عندما أكل مالي أخو صاحب الدكان عند عملي لبعض الأشياء لأني أحتاجها في الدكان، باختصار شديد فقدت مالي ومال الناس حينها ولم أعد أستطيع أن أرد دين الناس فطال الأمر فبدأت الناس تتكلم عني وأنا غائب في بلد آخر مغترب ففكرت أن أعمل أي عمل المهم أن أعيد أموال الناس فتأزمت بي الأوضاع وزاد كلام الناس فأصبحت في نظرهم أنا آكل مال الناس وسارق وكاذب والله الصفات التي لم أترب عليها والتي أنبذها كثيرًا كثيرًا أصبحت والله أصبحت أرى كوابيس، والحمد لله تجاوزت كل هذه المحن وعدت للعمل وبدأت أعيد أموال الناس شيئا فشيئا حتى لم يبق إلا القليل جدًا لنقل أني أكملته، ولكن الأمر تجاوز الحدود عندما تعدت الحادثة سنتين ونسي الأمر وفكرت بخطبة إحدى الفتيات وأكمل نصف ديني بحيث من المعقول سألوا عني كل شيء جيد جدًا، الأمر الأخير هي تلك الحادثة سمعوا بها فوالله مشكلة كبيرة وأنا أحب تلك الفتاة ... أعتذر لسماحتك يا شيخنا الفاضل، ولكن أحبها وأتمناها زوجة لي فأخشى أن يسمع ولي أمر هذه البنت بالحادثة التي ترعبني طوال حياتي فأفتوني يا إخوة الإيمان هل أنا كذلك ذو أخلاق ليست بطيبة، هل أنا فعلًا لا أستحق الفتاة، فأفتوني ما العمل في هذه الحالة وخاصة إذا سمع ولي أمر من أتمناها زوجة لي على سنة الله ورسوله؟] ـ
[الفَتْوَى] خلاصة الفتوى:
من اتقى الله وقاه ويسر له أموره.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فننصحك بتقوى الله تعالى، فقد قال الله تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا {الطلاق:2} ، وقال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا {الطلاق:4} ، وراقب الله تعالى في سرك وعلانيتك، وأصلح سريرتك يصلح الله علانيتك، واستعن بالله تعالى وتوكل عليه تعالى فمن توكل عليه كفاه، وهو القائل سبحانه: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ {الطلاق:3} .
واعلم أن كثيرًا من الناس قد مروا بمحن مثل التي وقعت فيها أو أشد، وحين صدقوا الله وأخلصوا له هداهم لأرشد أمورهم وفرج كروبهم، وما صدر منك إذا لم يكن على سبيل التحايل على أموال الناس وأكلها بالباطل فلا يؤثر على أخلاقك ولا لوم عليك فيه ولا تعتبر به صاحب أخلاق سيئة، بل لو صدر منك بنية غير طيبة وتبت منه توبة صادقة فإنك أيضا تصير كمن لم يصدر منه عمل غير طيب. وعليه فلا تلتفت إلى كون والد البنت قد يعلم بماضيك، فالمهم أنك أنت لم تنو شرا أو تبت منه.
فائت الأمر من بابه وتقدم لخطبة تلك الفتاة ما دامت ذات دين وأنت ترغب فيها وسييسر الله لك الخير، ولو سمع ولي هذه الفتاة بشيء مما يقوله عنك الناس فوضح له حقيقة موقفك ثم هو بالخيار، ولا تنس أن تستخير الله سبحانه، فما خاب من استخار ولا ندم من استشار. وفقك الله لما فيه الخير.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 29 شعبان 1428