[السُّؤَالُ] ـ[أحب زميلي في العمل وهو متزوج ولكن بينه وبين زوجته مشاكل كثيرة ولديه ابنة وهو يحبني كثيرًا وطلبت منه أن نتزوج وأكون زوجة ثانية من أجل خاطر ابنته، لكنه رفض بحجة أنه لن يقدر أن يعدل بيننا وهو لا يريد أن ينفصل عن زوجته بسبب ابنته وهو خائف جدا على حياتها ومستقبلها وأنا لا ألومه، لكنني أحبه جدا ولا أعرف هل أقدر أن أبتعد عنه وأنساه؟ ويا ترى، هل أقدر أن أتزوج غيره؟ وأنا لا أقدر أن أتزوج أحدا لا أحبه، وأنا قلت له إتزوجني لأجل مستقبل البنت، وأنت في خلاف دائم مع زوجتك لن يكون جيدا، وهو بصدق غير قادر أن يستمر مع زوجته، وحياته كلها الشغل فقط، من أجل أن لا يذهب إلى البيت ـ وهذه ليست حياة ـ وأيضا البنت ستكون معقدة حينما ترى العلاقة متوترة بين أمها وأبيها، انصحوني، ماذا أفعل؟ لأنني تعبت وأنا ليس في نيتي أن أخرب بيتهم، وأنا أحب أن أسعده بأية طريقة، والسؤال هو:
هل استمرار العلاقة بين واحد وزوجته من أجل خاطر الأولاد فقط يجعلها تستمر وتدوم، والأطفال لن يكونوا أسوياء في ظل علاقه لا تشوبها أية مودة ورحمة بين والديهم، أم الحل هو الطلاقو المحاولة في تربية الأطفال بينهم بدون مشاكل؟.]ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن كنت تطلبين النصيحة حقًا، فإنا ننصحك بتقوى الله سبحانه والبعد عن هذا الرجل وقطع كل علاقة لك به، لأنه أجنبي عنك، والعلاقة بين المرأة والرجل الأجنبي علاقة محرمة، وهي سبيل لفساد الدين وضياع الخلق، واحذري أن يستزلك الشيطان لتحريضه على تطليق زوجته، فإن هذا حرام وفيه ظلم للرجل وزوجته وأولاده، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال: ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها. رواه البخاري.
جاء في فتح الباري: قال النووي: معنى هذا الحديث: نهى المرأة الأجنبية أن تسأل رجلًا طلاق زوجته وأن يتزوجها هي فيصير لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ما كان للمطلقة، فعبرعن ذلك بقوله تكتفي ما في صحفتها، قال والمراد بأختها غيرها ـ سواء كانت أختها في النسب أو الرضاع أو الدين ـ ويلحق بذلك الكافرة في الحكم وإن لم تكن أختًا في الدين، إما لأن المراد الغالب، أو أنها أختها في الجنس الآدمي. انتهى.
واعلمي أن مجرد علاقتك به هي نوع من السعي في تخريب بيته وهدم أسرته ولم لم تقصدي ذلك، وذلك لأن الرجل إذا كان قلبه وفكره مع امرأة أخرى، فإن هذا سيشتت عليه تفكيره ويزهده في زوجته ويغريه ببغضها والنفور منها لأتفه الأسباب، أما إذا يئس من مثل هذه العلاقات وانقطع رجاؤه فيها فعند ذلك سيقبل على شؤونه وأحواله بصبر وحكمة وتريث.
واعلمي أن مجرد بغض الزوج لزوجته لا يوجب عليه طلاقها، بل إن الله قد أرشد الزوج إلى إمساك زوجته حتى وإن أبغضها، فقال سبحانه: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا {النساء:19} .
قال ابن العربي عند تفسيره لهذه الآية: المعنى إن وجد الرجل في زوجته كراهية وعنها رغبة ومنها نفرة من غير فاحشة ولا نشوز فليصبرعلى أذاها وقلة إنصافها فربما كان ذلك خيرًا له. انتهى.
وقال ابن الجوزي في هذه الآية: وقد ندبت الآية إلى إمساك المرأة مع الكراهية لها، ونبهت على معنيين: أحدهما: أن الإنسان لا يعلم وجوه الصلاح، فرب مكروه عاد محمودًا، ومحمود عاد مذمومًا، والثاني: أن الإنسان لا يكاد يجد محبوبًا ليس فيه مكروه فليصبرعلى ما يكره لما يحب. انتهى.
وقد أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقًا رضي منها آخر.
وليس كل البيوت تبنى على الحب، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بل هناك مقاصد أخرى غير الحب منها: مصالح الأولاد والمحافظة على كيان الأسرة وغير ذلك، فاتقي الله سبحانه ودعي هذا الرجل وشأنه ولا تتدخلي في أمور بيته، مع التنبيه على أنه لا يجوز له الزواج منك حتى ولو صرت زوجة ثانية إذا كان غير قادر على العدل كما صرح بذلك، لأن التعدد إنما يباح للرجل بشرط العدل، فإن كان عاجزًا عنه فليقتصر على واحدة، قال الله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ {النساء:3} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كانت له امرأتان فمال إلى أحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل. رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 18 رمضان 1430