[السُّؤَالُ] ـ[أريد أن أعرف العدد الأقصى من الزوجات التي كانت لدى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت واحد؟ فهل كان لديه أكثر من أربع زوجات في وقت واحد؟
وهل كن يسكن في بيت واحد في غرف مستقلة أم كن يسكن في بيوت مختلفة؟]ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:
فقد اختلف أصحاب السير في عدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي دخل بهن على وجه التحديد، إلا أنهم اتفقوا على أنه دخل بإحدى عشرة امرأة هن: خديجة بنت خويلد أم أبنائه وبناته الأطهار، ولم يتزوج عليها غيرها مدة حياتها حتى توفاها الله تعالى، ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق، وسودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن صخر، وصفية بنت حيي بن أخطب، وميمونة بنت الحارث، فهذه إحدى عشرة امرأة لا خلاف بين أصحاب السير والمؤرخين أنهن زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم قد دخل بهن.
وأكثر من اجتمع عنده من هؤلاء تسع نسوة، وهن من سوى خديجة التي ذكرنا أنه لم يتزوج عليها أحدًا من النساء في حياتها، وزينب بنت خزيمة التي توفيت في حياته سنة أربع للهجرة، وليس عنده حينئذ إلا عائشة وسودة وحفصة رضي الله تعالى عنهن جميعًا.
وقد توفي صلوات الله وسلامه عليه وعنده هؤلاء النسوة التسع.
وبذلك يعلم السائل أنه صلوات الله وسلامه عليه قد كان عنده أكثر من أربع زوجات في آن واحد، وذلك من خصوصياته، فيجوز له أن يجمع أكثر من أربع في عصمته بالإجماع.
وقد ذكر العلماء لجواز ذلك له صلوات الله وسلامه عليه حكمًا عديدة جليلة، نوجز لك أهمها فيما يلي:
أولًا: الحكمة التعليمية التبليغية: وبيان ذلك أن الزوجة ألصق الناس بزوجها، وأعلمهم بحاله، وأجرؤهم على سؤاله، والزوج أيضًا أبوح لزوجته، وأكثر مصارحة لها في أمور كثيرة، وخاصة فيما يستحيا عادة من ذكره، فكان من الحكمة البالغة أن تكثر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لينقلن الخاص والعام من أقواله وأحواله وأفعاله التشريعية، ويسألنه عما لا يجرؤ غيرهن على أن يسأله عنه، ثم يبلغن ذلك للأمة، وقد حصل ذلك بالفعل، ومن تصفح دواوين السنة رأى أكبر شاهد على ذلك.
ثانيًا: الحكمة الاجتماعية: وبيان ذلك أن زواجه بأكثر من أربع أتاح له الفرصة لتوثيق صلته ببطون قريش العديدة، مما جعل القلوب تلتف حوله، في إيمان وإكبار وإجلالًا فقد تزوج نسوة من قريش منهن بنتا وزيريه: أبي بكر وعمر.
ثالثًا: الحكمة السياسية: وهذه تتداخل وتتقاطع في بعض الحالات مع التي قبلها، فقد أتاح له زواجه بأكثر من أربع أن جمع عنده عددًا لا بأس به من بنات القادة، مما جعل له مكانة عند أهالي تلك النساء، إذ من العادة أن الرجل إذا تزوج من قبيلة أو بطن صار بينه وبين تلك القبيلة أو البطن قرابة بالمصاهرة، وذلك بطبيعته يدعوهم لنصرته وحمايته، ولا يخفى ما في ذلك من مصلحة الدعوة.
رابعًا: حكمة إظهار كمال خلقه كما وصفه ربه جل جلاله، حيث قال في شأنه (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) .
وبيان ذلك أنه جمع هؤلاء النسوة اللاتي هن من بطون شتى، وقد تربين في بيئات وحالات اجتماعية متفاوتة، إضافة إلى التفاوت الكبير في أعمارهن وارتباطاتهن الأسرية قبله، فمنهن الصغيرة البكر، ومنهم الكبيرة المسنة، ومنهن ذات الولد من غيره، ومنهن من كانت زوجة لرجل غني، ومنهن من كانت زوجة لرجل فقير، وآخر أمير، وآخر دون ذلك، فاستطاع صلوات الله وسلامه عليه بفضل الله تعالى عليه، ثم بما طبعه الله عليه من كمال خلقه، ورجاحة عقله، ورسوخ علمه وحلمه، وسعة صدره، وبالغ حكمته، استطاع بذلك أن يعطي كل واحدة منهن حقها ويعاملها حسب ما يليق بها، ويتناسب مع حالها، مع تحقيق كمال العدل بينهن، واستطاع أيضًا بذلك السلوك الرفيع، وتلك الإدارة الناجحة لهذه العلاقات الزوجية المتشعبة أن يحتوي كل ما من شأنه أن يكون سببًا لتأزم تلك الحياة الزوجية، وأن يمتص كل تلك الفوارق المشار إليها آنفًا لينسجم ذلك البيت الطيب المبارك الطهور في دعة واستقرار.
هذا في الوقت الذي يعجز فيه الواحد منا - إلا من رحم الله تعالى - أن يدير إدارة ناجحة بيتًا فيه امرأة واحدة قد بذل كل جهده في اختيارها على أسس كان يرجو من خلالها أن ينسجم معها، وتنسجم معه، ناهيك عن صاحب الاثنتين أو الثلاث أو الأربع.
ولا شك أن في تعامله صلوات الله وسلامه عليه - حسبما وصفنا - الأسوة الحسنة، والنموذج الأمثل لكل زوج مع زوجته مهما كان عمرها وحالتها الاجتماعية أو الثقافية.
وخلاصة ما نقوله للسائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد خصه ربه جل جلاله بأن أجاز له أن يتزوج بأكثر من أربع نسوة، وقد حصل ذلك بالفعل، وأن ذلك كان لحكم بالغة، ومصالح ملموسة راجحة على خلاف ما يشيعه بعض المغرضين المضللين من أعداء الإسلام الذين يحاولون قلب الحقائق بجعلهم الدافع للنبي صلى الله عليه وسلم على التعدد هو دافع شهواني فقط، وغفل هؤلاء أو تغافلوا عن النظر في حال من تزوجهن، حيث كن نساء كبيرات السن كلهن ثيبات ما عدا عائشة رضي الله تعالى عنها.
فلو كان الدافع دافعًا شهوانيًا بحتًا لتزوج الفتيات الأبكار التي كان يرشد إليهن غيره، حيث قال لجابر مثلًا:"هلا تزوجت بكرًا تلاعبها وتلاعبك"والحديث في الصحيحين وغيرهما.
ويقول أيضًا:"عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا، وأرضى باليسير"رواه ابن ماجه وغيره.
فهو يعلم مكانة الأبكار من منظور الشهوة، ولكنه له أهداف أخرى نبيلة غير ذلك.
وأما سؤالك هل كانت أولئك النسوة يسكن في بيت واحد ...
فالجواب أن كل واحدة منهن كانت تسكن في حجرة مستقلة، وكانت حجرهن لاصقات بالمسجد النبوي الشريف، ولم يكن لواحدة منهن بيت مستقل.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 14 شوال 1422