تَعظيمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فعَلَّمَهُموه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيَحفَظُه أَحَدُهُم على لَفظٍ، ويَحفَظُه الآخَرُ على لَفظٍ يُخالِفُه لا يَختَلِفانِ في مَعنًى، فلعلَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَجازَ لِكُلِّ امرِئٍ مِنهُم كما حَفِظَ، إِذ كان لا مَعنَى فيه يُحيلُ شَيئًا عن حُكمِه (1) .
واستَدَلَّ على ذَلِكَ بحَديثِ حُروفِ القُرآنِ.
قالَ الشافعىُّ رحِمه اللَّهُ: أخبرَنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَبدٍ القارِىِّ قال: سَمِعتُ عمرَ بنَ الخَطّابِ يقولُ: سَمِعتُ هِشامَ بنَ حَكيمِ بنِ حِزامٍ يَقرأُ سورَةَ"الفُرقانِ"على غَيرِ ما أَقرؤُها، وكانَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أَقرأَنيها، فكِدتُ أَن أَعجَلَ عليه، ثم أَمهَلتُه حَتَّى انصَرَفَ، ثم لَبَّبتُه برِدائِه، فجِئتُ به إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إِنِّى سَمِعتُ هذا يَقرأُ سورَةَ"الفُرقانِ"على غَيرِ ما أَقرأتَنيها. فقالَ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"اقرأْ". فقَرأ القراءةَ الَّتِى سَمِعتُه يَقرأُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-:"هَكَذا أُنزِلَت". ثم قال لى:"اقرأْ". فقَرأتُ فقالَ:"هَكَذا أُنزِلَت، إن هذا القُرآنَ أُنزِلَ على سَبعَةِ أَحرُفٍ، فاقرَءوا ما تَيَسَّرَ مِنه" (2) . قال الشافعىُّ رحِمه اللَّهُ: فإِذا كان اللَّهُ برأفَتِه بخَلقِه أَنزَلَ كِتابَه على سَبعَةِ أَحرُفٍ، مَعرِفَةً مِنه بأَنَّ الحِفظَ قَد يَزِلُّ (3) ليُحِلَّ (4) لَهُم قراءتَه وإِنِ اختَلَفَ لَفظُهُم فيه -
(1) الرسالة ص 268 - 272.
(2) الرسالة ص 273.
(3) فى س، م:"نزل". والمثبت من مصدر التخريج.
(4) فى س:"لنجعل"، وفى م:"ليجعل".