الشِّعبِ". فلَمّا أن خَرَجا إلى فمِ الشِّعبِ قال الأنصارِيُّ لِلمُهاجِرِيِّ: أيُّ اللَّيلِ أحَبُّ إلَيكَ أن أكفيَكَه أوَّلَه، أو آخِرَهُ؟ قال: بَل اكفِنِي أوَّلَه. فاضطَجَعَ المُهاجِرِيُّ فنامَ، وقامَ الأنصارِيُّ يُصَلِّي، وأَتَى زَوجُ المَرأَةِ، فلَمّا رأَى شَخصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أنَّه رَبيئَةُ (1) القَومِ، فرَماه بسَهمٍ فوَضَعَه فيه، فنَزَعَه فوَضَعَه، وثَبَتَ قائمًا يُصَلِّي، ثم رَماه بسَهمٍ آخَرَ فوَضَعَه فيه، فنَزَعَه فوَضَعَه، وثَبَتَ قائمًا يُصَلِّي، ثم عادَ له الثّالِثَةَ فوَضَعَه فيه، فنَزَعَه فوَضَعَه، ثم رَكَعَ فسَجَدَ، ثم أهَبَّ (2) صاحِبَه فقالَ: اجلِسْ فقَد أُثْبِتُّ (3) . فوَثَبَ، فلَمّا رآهُما الرَّجُلُ عَرَفَ أنَّه قَد نَذِرا به (4) فهَرَبَ، فلَمّا رأَى المُهاجِرِيُّ ما بالأَنصارِيِّ مِنَ الدِّماءِ قال: سبحانَ اللَّه! أفَلا أهبَبتَنِي أوَّلَ ما رَماكَ؟ قال: كُنتُ في سورَةٍ أقرؤُها فلَم أُحِبَّ أن أقطَعَها حَتَّى أُنفِدَها، فلَمّا تابَعَ عَلَيَّ الرَّميَ رَكَعتُ فآذَنتُكَ، وايمُ اللَّهِ لَولا أن أُضيعَ ثَغرًا أمَرَنِي رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - بحِفظِه لَقَطعَ (5) نَفسِي قبلَ أن أقطَعَها أو أُنفِدَها (6) ."
(1) ربيئة القوم: هو الرقيب الذي يشرف على المرقب ينظر العدو من أى وجه يأتى فينذر أصحابه، وإنما قيل له: ربيئة لأنه يكون على جبل أو شرف. ينظر غريب الحديث لابن قتيبة 1/ 349، ومعالم السنن 1/ 70.
(2) أهبه: أنهضه. ينظر النهاية 5/ 238.
(3) في الأصل:"أتيت". وأثبتته الجراحة: حبسته في مكان لا يفارقه. ينظر النهاية 1/ 205.
(4) أى: شعرا به وعلما مكانه. معالم السنن 1/ 70.
(5) في س، م:"لقطعت".
(6) المصنف في الصغرى (39) ، والخلافيات (4 60) ، والحاكم 1/ 156، 157، وصححه، ووافقه الذهبى. وأخرجه ابن خزيمة (36) من طريق يونس بن بكير به. وأحمد (14704) ، وابن خزيمة (36) ، وابن حبان (1096) من طريق ابن إسحاق به. وسيأتي في (18492) .