لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] . [1]
هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ، هَل تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى حَالِهِمْ أَمْ لاَ يُقْبَل مِنْهُمْ إِلاَّ الإِسْلاَمُ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الأَمَانِ:
هُوَ الأَمَانُ الَّذِي يُصْدَرُ مِنْ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَدٍ مَحْصُورٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَدُل عَلَيْهِ حَدِيثُ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ، إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مَا فِي كِتَابِي هَذَا، قَالَ مُسَدَّدٌ: قَالَ: فَأَخْرَجَ كِتَابًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ «الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [2]
وفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يُرِيدُ بِهِ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْقِصَاصِ، يُقَادُ الشَّرِيفُ مِنْهُمْ بِالْوَضِيعِ، وَالْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ، وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ شَرِيفًا أَوْ عَالِمًا، وَالْقَاتِلُ وَضِيعًا أَوْ جَاهِلًا، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ غَيْرُ قَاتِلِهِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا لَا يَرْضَوْنَ فِي دَمِ الشَّرِيفِ بِالِاسْتِقَادَةِ مِنْ قَاتِلِهِ الْوَضِيعِ، حَتَّى يَقْتُلُوا عِدَّةً مِنْ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ.
وَالْمَعْنَى إِذَا أَعْطَى أَدْنَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَمَانًا فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ إِخْفَارُهُ أَيْ نَقْضُ عَهْدِهِ وَأَمَانِهِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَيْ إِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا أَمَّنَ كَافِرًا حَرُمَ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ
(1) - وانظر: بدائع الصنائع 7/ 105، 107، 109 - 111، ومنح الجليل 1/ 756، 765، 766، والمهذب 2/ 254، 260، 262، ونهاية المحتاج 8/ 100، 102، والمغني 8/ 459، 463، 535، وشرح منتهى الإرادات 2/ 122 - 130
(2) - سنن أبي داود (4/ 180) (4530) صحيح
قَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: فَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» :هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي إِذَا أَعْطَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، جَازَ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ نَقْضُهُ وَلَا رَدُّهُ حَتَّى جَاءَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ بِذَلِكَ فِي النِّسَاءِ"الأموال لابن زنجويه (2/ 442) "