فهرس الكتاب

الصفحة 1291 من 3472

النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ إبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ لَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَوْلَى. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِزِ بِالنَّصِّ رِفْقًا بِالْمُسْلِمِينَ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ مَجَالٌ وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْكَذِبِ بِالْعَقْلِ مَا انْقَلَبَ حَلَالًا، انْتَهَى.

وَلَا يُعَارِضُ مَا وَرَدَ فِي جَوَازِ الْكَذِبِ فِي الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَقَوْلُ الْأَنْصَارِ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا كَفَّ عَنْ بَيْعَتِهِ هَلَّا أَوْمَأْتَ إلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» لِأَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِالْخِدَاعِ وَالْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ حَالَةُ الْحَرْبِ خَاصَّةً، وَأَمَّا حَالَةُ الْمُبَايَعَةِ فَلَيْسَتْ بِحَالَةِ حَرْبٍ كَذَا قِيلَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قِصَّةَ الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ أَيْضًا لَمْ تَكُنْ فِي حَالِ حَرْبٍ قَالَ الْحَافِظُ وَالْجَوَابُ الْمُسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَا يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِغَيْرِهِ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَمْرًا فَلَا يُظْهِرُهُ كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَغْزُوَ جِهَةَ الْمَشْرِقِ فَيَسْأَلَ عَنْ أَمْرٍ فِي جِهَةِ الْغَرْبِ وَيَتَجَهَّزَ لِلسَّفَرِ فَيَظُنَّ مَنْ يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ أَنَّهُ يُرِيدُ جِهَةَ الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَنَّهُ يُصَرِّحُ بِإِرَادَتِهِ الْمَغْرِبَ وَمُرَادُهُ الْمَشْرِقُ فَلَا.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سَأَلْت بَعْضَ شُيُوخِي عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الْكَذِبُ الْمُبَاحُ فِي الْحَرْبِ مَا يَكُونُ فِي الْمَعَارِيضِ لَا التَّصْرِيحِ بِالتَّأْمِينِ مَثَلًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ لَا يَجُوزُ الْكَذِبُ الْحَقِيقِيُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ أَصْلًا قَالَ: وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَ بِالْكَذِبِ مَنْ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَيَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَذِبِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يُسْقِطُ حَقًّا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا أَوْ أَخْذِ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا وَكَذَا فِي الْحَرْبِ فِي غَيْرَ التَّأْمِينِ وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْكَذِبِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ كَمَا لَوْ قَصَدَ ظَالِمٌ قَتْلَ رَجُلٍ وَهُوَ مُخْتَفٍ عِنْدَهُ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَ كَوْنَهُ عِنْدَهُ وَيَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَأْثَمُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي زَكَرِيَّا: وَضَابِطُ مَا يُبَاحُ مِنْ الْكَذِبِ وَمَا لَا يُبَاحُ أَنَّ الْكَلَامَ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ فَكُلُّ مَقْصُودٍ مَحْمُودٌ إنْ أَمْكَنَ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت