فهرس الكتاب

الصفحة 1377 من 3472

مُسْلِمٌ قَبْلَ أَنْ تُؤْسَرَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ أَيْ دُنْيَا وَآخِرَةً، فَلَمْ تُؤْسَرْ فِي الدُّنْيَا فَتُوثَقْ، وَلَمْ تُعَذَّبْ فِي الْآخِرَةِ إِذَا أَسْلَمْتَ طَوْعًا لَا كَرْهًا، وَأَمَّا إِذَا قُلْتَ: إِنِّي مُسْلِمٌ بَعْدَ الْأَمْرِ فَلَمْ تُفْلِحْ كُلَّ الْفَلَاحِ أَيْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُخْرِجُكَ مِنَ الرِّقِّ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ إِذْ أُسِرْتَ وَأَنْتَ كَافِرٌ لَا مُسْلِمٌ، إِذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْأَسِيرَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ الْإِسَارِ، لَا يَصِيرُ حُرًّا بِإِسْلَامِهِ، إِلَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِلْكٌ، فَأَمَّا فِدَاءُ النبي صلى الله عليه وسلم الْعُقَيْلِيَّ بِالرَّجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَا فِي يَدَيِ ثَقِيفٍ أَسِيرَيْنِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَطْلَقَهُ مِنَ الْأَسْرِ؛ لِتُطْلِقَ ثَقِيفٌ عَنِ الْأَسِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، فَيَرْجِعَ الثَّقَفِيُّ إِلَيْهِمْ حُرًّا مُسْلِمًا مُطْلَقًا مِنَ الْأَسْرِ وَالْوَثَاقِ، خَارِجًا مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، لَا أَنَّ ثَقِيفًا يَمْلِكُونَهُ مِلْكَ رِقٍّ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَهُمْ مُشْرِكُونَ، إِذْ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُرَدَّ مُسْلِمٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَيُسْتَعْبَدُوا فِي دَارِ الشِّرْكِ، وَلَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْعُقَيْلِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: إِنِّي مُسْلِمٌ حُكْمَ الْمُشْرِكِينَ، إِذْ كَانَ أَحْكَامُ الدُّنْيَا عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كَانَ حُكْمُ الظَّاهِرِ لَا حُكْمَ الْبَاطِنِ الْمُغَيَّبِ الَّذِي يَتَوَلَّى الله عِلْمَهُ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ عِبَادَهُ، أَلَا تَسْمَعُ خَبَرَ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْكِنْدِيِّ، وَاسْتِئْذَانِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي قَتْلِ الرَّاجِلِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، وَتَعْلِيقَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ، وَقَوْلَهُ: «لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلِتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ» ،وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: فِي قَوْلِهِ: «أُخِذْتَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ» إِنَّمَا هُوَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مُشْرِكٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَالْمَالِ بِشِرْكِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ مُبَاحٌ، فَلَمَّا كَانَ هَكَذَا، لَمْ يُنْكِرْ أَنْ يَقُولَ: «أُخِذْتَ» أَيْ: حُبِسَتْ «بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ» ،وَلَمَّا كَانَ حَبْسُهُ هَذَا حَلَالًا بِغَيْرِ جِنَايَةِ غَيْرِهِ، وَإِرْسَالُهُ مُبَاحًا، جَازَ أَنْ يُحْبَسَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ، لَاسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ قَوْلَهُ «أُخِذْتَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ» كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مُوَادَعَةٌ أَوْ صُلْحٌ، فَنَقَضَتْ ثَقِيفٌ الْمُوَادَعَةَ أَوِ الصُّلْحَ بِأَسْرِهِمُ الرَّجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم، فَأَبَاحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَسْرَ الْعُقَيْلِيّ بِنَقْضِ ثَقِيفٍ الْمُوَادَعَةَ أَوِ الصُّلْحَ، وَتَرَكَ بَنُو عَقِيلٍ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ وَمَنَعَهُمْ مِنْ فِعْلِهِمُ الَّذِي كَانَ نَقَضَ الصُّلْحَ أَوِ الْمُوَادَعَةَ [1]

(1) - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (11/ 220)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت