فهرس الكتاب
وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَحْرَقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَمَنَعُوهُ سَهْمَهُ وَضَرَبُوهُ. [1]
وقال في شرح السنة:"وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْقَوْلِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْغَلُولَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْغَنِيمَةِ لَا تُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْغَرَامَةِ، بَلْ يُعَزَّرُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ فِي الْغَالِّ مِنَ الْغَنِيمَةِ: إِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحْرِقَ رَحْلَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَحْمِلُ الثَّمَرَةَ فِي أَكْمَامِهَا: فِيهِ الْقِيمَةُ مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبُ النِّكَالِ، وَقَالَ: كُلُّ مَنْ دَرَأْنَا عَنْهُ الْحَدَّ، أَضْعَفْنَا عَلَيْهِ الْغُرْمَ." [2]
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِحْرَاقُ الْمَتَاعِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ نُسِخَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَّا تَأْدِيبُهُ عُقُوبَةً فِي نَفْسِهِ عَلَى سُوءِ فِعْلِهِ فَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَأَمَّا عُقُوبَتُهُ فِي مَالِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يُحْرَقُ مَالُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُصْحَفًا أَوْ حَيَوَانًا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحْرَقُ مَا قَدْ غَلَّ ; لِأَنَّ حَقَّ الْغَاَنِمِينَ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعَاقَبُ الرَّجُلُ فِي بَدَنِهِ دُونَ مَتَاعِهِ [3]
قَال أَحْمَدُ: إِنْ لَمْ يُحْرِقْ رَحْلَهُ حَتَّى اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا آخَرَ وَكَذَلِكَ إِنْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، أُحْرِقَ مَا كَانَ مَعَهُ حَال الْغُلُول.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْغَال أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا، فَتُوقَعُ عُقُوبَةُ الإِحْرَاقِ فِي مَتَاعِ الرَّجُل وَالْخُنْثَى وَالْمَرْأَةِ وَالذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ. وَإِنْ كَانَ الْغَال صَبِيًّا لَمْ يُحْرَقْ مَتَاعُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ الإِحْرَاقَ عُقُوبَةٌ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ.
وَيَسْقُطُ إِحْرَاقُ مَتَاعِ الْغَال إِذَا مَاتَ قَبْل إِحْرَاقِ رَحْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْحُدُودِ؛ وَلِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ انْتَقَل الْمَتَاعُ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَإِحْرَاقُهُ يَكُونُ عُقُوبَةً لِغَيْرِ الْجَانِي. وَإِنِ انْتَقَل مِلْكُهُ إِلَى غَيْرِ الْغَال بِالْبَيْعِ أَوِ الْهِبَةِ احْتَمَل عَدَمُ تَحْرِيقِهِ، لِصَيْرُورَتِهِ
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 174) (18211) فيه ضعف
(2) - شرح السنة للبغوي (6/ 79)
(3) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2381)