فهرس الكتاب

الصفحة 1576 من 3472

فَدَل عَلَى أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ. وَلِأَنَّ الأَصْل فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، فعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ وَإِنَّ أَبَوَايَ يَمْنَعَانِي؟ قَالَ: «أَطِعْ أَبَوَيْكَ فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ» [1]

وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَال الأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَسَائِرُ أَهْل الْعِلْمِ [2] .

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الأَبَوَانِ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَانُوا يُجَاهِدُونَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ [3] .

وَلِأَنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْجِهَادِ لِمَظِنَّتِهِ قَصْدَ تَوْهِينِ الإِسْلاَمِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْجِهَادِ لِمَظِنَّتِهِ قَصْدَ تَوْهِينِ الإِسْلاَمِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا إِذَا كَرِهَ خُرُوجَهُ مَخَافَةً وَمَشَقَّةً، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِكَرَاهَةِ قِتَال أَهْل دِينِهِ فَلاَ يُطِيعُهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. إِذْ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا مُحْتَاجًا إِلَى خِدْمَتِهِ فُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَافِرًا، وَلَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ تَرْكُ فَرْضِ عَيْنٍ لِيُتَوَصَّل إِلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ، وَبِهَذَا قَال الثَّوْرِيُّ لِعُمُومِ الأَخْبَارِ. [4]

(1) - البر والصلة للحسين بن حرب (ص:36) (71) صحيح

(2) - ابن عابدين 3/ 220،وجواهر الإكليل 1/ 252،وحاشية الدسوقي 2/ 175،176،والمهذب 2/ 229،ونهاية المحتاج 8/ 57،والمغني 8/ 358،والمحلى 7/ 292.

(3) - فتح القدير 5/ 194،وابن عابدين 3/ 220،وحاشية الدسوقي 2/ 175،176،وجواهر الإكليل 1/ 252،والمهذب 2/ 229،ونهاية المحتاج 8/ 57،والمغني 8/ 359،وكشاف القناع 3/ 44.

(4) - ابن عابدين 3/ 220،وحاشية الدسوقي 2/ 176،والمغني 8/ 359.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت