لقد علم اللّه منهم هذا كله فقبل منهم قولهم، وكتب لهم الجنة جزاء لهم وشهد لهم - سبحانه - بأنهم محسنون، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين: «فأثابهم اللّه - بما قالوا - جنّاتٍ تجْري منْ تحْتها الْأنْهار خالدين فيها .. وذلك جزاء الْمحْسنين .. » .
والإحسان أعلى درجات الإيمان والإسلام .. واللّه - جل جلاله - قد شهد لهذا الفريق من الناس أنه من المحسنين. هو فريق خاص محدد الملامح هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم: «ولتجدنّ أقْربهمْ مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا: إنّا نصارى» ..
هو فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه، بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة.
وهو فريق لا يتردد في إعلان استجابته للإسلام، والانضمام للصف المسلم والانضمام إليه بصفة خاصة في تكاليف هذه العقيدة وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها والجهاد لإقرارها وتمكينها. وهو فريق علم اللّه منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين ..
ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد في تحديد ملامح هذا الفريق المقصود من الناس الذين تجدهم أقرب مودة للذين آمنوا. بل إنه ليمضي فيميزه من الفريق الآخر من الذين قالوا: إنا نصارى. ممن يسمعون هذا الحق فيكفرون به ويكذبون، ولا يستجيبون له، ولا ينضمون إلى صفوف الشاهدين: «والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصْحاب الْجحيم» ..
والمقصود قطعا بالذين كفروا وكذبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون - من الذين قالوا إنا نصارى - ثم لا يستجيبون .. والقرآن يسميهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف. سواء في ذلك اليهود والنصارى ويضمهم إلى موكب الكفار مع المشركين سواء ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل اللّه على رسوله من الحق وفي موقف الامتناع عن الدخول في الإسلام الذي لا يقبل اللّه من الناس دينا سواه .. نجد هذا في مثل قول اللّه سبحانه: «لمْ يكن الّذين كفروا - منْ أهْل الْكتاب والْمشْركين - منْفكّين حتّى تأْتيهم الْبيّنة» .. «إنّ الّذين كفروا - منْ أهْل الْكتاب والْمشْركين - في نار جهنّم خالدين فيها أولئك همْ شرّ الْبريّة» ..