اكْفِنِيهِمْ؟ فَأَيُّ طِيبٍ نَفْسٍ هَاهُنَا؟ وَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدِي إِلَّا عَلَى مَا قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّ الْإِمَامَ يَتَخَيَّرُ فِي الْعَنْوَةِ بِالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْحَيْطَةِ عَلَيْهِمْ: بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا غَنِيمَةً، أَوْ فَيْئًا، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ نَفْسَهُ يُحَدِّثُ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَسَمَ خَيْبَرَ ثُمَّ يَقُولُ مَعَ هَذَا: لَوْلَا آخِرُ النَّاسِ لَفَعَلْتُ ذَلِكَ. فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ هَذَا أَنَّ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا إِلَيْهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا تَعَدَّى سُنَّةَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى غَيْرِهَا وَهُوَ يَعْرِفُهَا. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يَقُولُ بِالرَّأْيِ أَنَّ لِلْإِمَامِ فِي الْعَنْوَةِ حُكْمًا ثَالِثًا قَالَ: إِنْ شَاءَ لَمْ يَجْعَلْهَا غَنِيمَةً وَلَا فَيْئًا، وَرَدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا الَّذِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِمَا فَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ افْتَتَحَهَا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ عَلَيْهِمْ بِهَا وَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ" [1] "
أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال:41] فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي الْمَنْقُول وَالأَرْضِ. وَيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِلْمُقَاتِلِينَ، وَمَا قَال الشَّافِعِيُّ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
أَمَّا إِذَا لَمْ تُقْسَمِ الأَرْضُ وَتُرِكَتْ بِأَيْدِي أَهْلِهَا، يَنْتَفِعُ الْمُسْلِمُونَ بِخَرَاجِهَا، فَقَدْ قَال جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ: إِنَّهَا أَرْضٌ مَوْقُوفَةٌ، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلاَ شِرَاؤُهَا، وَلاَ هِبَتُهَا، وَلاَ تُورَثُ عَمَّنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا مِنَ الْكُفَّارِ. وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الأَوْزَاعِيُّ أَنَّ عُمَرَ وَالصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى الشَّامِ أَقَرُّوا أَهْل الْقُرَى فِي قُرَاهُمْ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، يَعْمُرُونَهَا وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شِرَاءُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الأَرْضِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: إِنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ. لَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ، وَيَتَوَارَثُهَا عَنْهُمْ أَقَارِبُهُمْ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ خَرَاجَهَا، وَبِهَذَا قَال الثَّوْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ. [2]
(1) - الأموال للقاسم بن سلام (ص: 80) (156) صحيح لغيره
(2) - الأم 4/ 192،193 و7/ 325،والوجيز 1/ 288،289،291،والخراج ص 68 ط السلفية، وفتح القدير 4/ 303 - 305،والاختيار 3/ 319،320،وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 189،وبداية المجتهد 1/ 368 - 371،والمغني 2/ 716 - 726 و8/ 527،والجامع لأحكام القرآن (القرطبي) 8/ 4،و18/ 23،وأحكام القرآن (الجصاص) 3/ 528 - 534،ونيل الأوطار ومنتقى الأخبار 8/ 11 - 13