ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها، إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل اللّه - الركيزة الأولى - وبالتأليف بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمة اللّه إخوانا - الركيزة الثانية: «وكنْتمْ على شفا حفْرةٍ من النّار فأنْقذكمْ منْها» .
والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط: «الْقلْب» .. فلا يقول: فألف بينكم. إنما ينفذ إلى المكمن العميق: «فألّف بيْن قلوبكمْ» فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد اللّه وعلى عهده وميثاقه. كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه. بل مشهدا حيا متحركا تتحرك معه القلوب: «وكنْتمْ على شفا حفْرةٍ من النّار» .. وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة، إذا بالقلوب ترى يد اللّه، وهي تدرك وتنقذ! وحبل اللّه وهو يمتد ويعصم. وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال!
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مرّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما همْ عليه من الاتفاق والألْفة، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكّنهم ويقول:"أبدعْوى الجاهليّة وأنا بيْن أظْهركمْ؟"وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم وذكر عكْرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفْك. والله أعلم. [1] .
وعن عاصم بْن عمر بْن قتادة الْمدنيّ، عنْ أشْياخٍ، منْ قوْمه، قالوا:"قدم سويْد بْن صامتٍ أخو بني عمْرو بْن عوْفٍ مكّة حاجًّا أوْ معْتمرًا. قال: وكان سويْدٌ إنّما يسمّيه قوْمه فيهم الْكامل لجلده وشعْره ونسبه وشرفه، قال: فتصدّى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى اللّه عزّ وجلّ وإلى الْإسْلام، قال: فقال له سويْدٌ: فلعلّ الّذي معك مثْل الّذي معي، قال: فقال"
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [2/ 90]