فهرس الكتاب
قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) } [المؤمنون:64 - 67]
حتّى إِذا جاء المُتْرفِين مِنْهُمْ، المُنعّمِين فِي الدُّنْيا، عذابُ اللهِ وبأسُهُ ونِقْمتهُ، إِذا هُمْ يسْتغِيثُون، ويصْرُخُون واغوثاهُ (يجْأرُون) ،لِشدةِ ما يُعانُون مِن الكُربِ والآلامِ.
ويُجِيبُهُم الرّبُ سُبْحانهُ وتعالى قائِلًا: لا تسْتغِيثُوا فلنْ يُجِيركُم اليوْم أحدٌ مِمّا حلّ بِكُمْ مِنْ سُوءِ العذابِ، سواءٌ اسْتغثْتُم وصرخْتُمْ، أو سكتُّم، ولنْ ينْصُركُم أحدٌ مِنْ اللهِ، فقدْ قُضِي الأمْرُ، ووجب العذابُ.
لقدْ كانتْ آياتُ اللهِ تُتْلى عليْكُم بالحقِّ، فكُنْتُمْ تسْتكْبِرُون عنْ سماعِها، وتسْخرُون مِنْها، وتُعْر ِضُون عنْها، وتُدِيرُون ظُهُوركُمْ إِليْها ولِذلِك فلا عُذْر لكُم اليوْم.
وقدْ كُنْتُم تُعْرِضُون عن الإِيْمانِ وأنْتًمْ تسْتكْبِرُون بالبيْتِ الحرامِ، وتقُولُون: نحْن أهْلُ حرمِ اللهِ، وخُدّامُ بيْتِهِ، فلا يُظْهِرُ عليْنا أحدًا، ولا نخافُ أحدًا، وكُنْتُم تسْمرُون حوْل البيْتِ، وتتناولُون القُرْآن بالُجِرِ مِن القوْلِ (سامِرًا تهْجُرُون) .. [1]
وقال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16]
فِي قِراءةٍ (أمرْنا) وجْهانِ:
(أمرْنا بِالتّخْفِيفِ - وهُو المشْهُورُ فِي قِراءتِها: فمِنْ قائِلٍ: إِنّ المعْنى هُو أنّهُ إِذا دنا تعلُّقِ إِرادتِنا بِإِهْلاكِ قرْيةٍ بِعذابِ الاسْتِئْصالِ لِما ظهر فِيها مِن المعاصِي، ولمّا دنّستْ بِهِ نفْسها مِن الآثامِ، لمْ يُعاجِلْها اللهُ تعالى بِالعُقُوبةِ، بلْ يأْمُرُ مُتْرفِيها بِالطّاعةِ فإِذا فسقُوا عنْ أمْرِ ربِّهِمْ، وتمرّدُوا، حقّ عليْهِمُ العذابُ لارْتِكابِهِمُ الكبائِر والفواحِش، فيأْمُرُ اللهُ تعالى بِتدْمِيرِ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 2617، بترقيم الشاملة آليا)