ولقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته سنة الحيطة والحذر من الوقوع في الخطأ أو الحكم في شيء قد يكون - في واقع الأمر صوابًا، وقد يكون خطأ - ثم ينسب إلى الله سبحانه وتعالى، فنبه المتخاصمين على أنه صلى الله عليه وسلم يحكم بالظاهر له من الأمر، وقد يكون الواقع مخالفًا لذلك الظاهر، لعدم علمه صلى الله عليه وسلم به، وإذا كان الأمر كذلك فإن حكمه لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، وعلى من غش أن يتحمل الإثم فَعِن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النبي صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهَا، عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا» [1] .
(1) - صحيح البخاري (3/ 131) (2458) وصحيح مسلم (3/ 1337) 5 - (1713)
[ش (بشر) لا أعلم الغيب وبواطن الأمور إلا ما أطلعني الله تعالى عليه ويطرأ علي ما يطرأ على البشر من أعراض لا تخل في كوني رسولا كالغضب والتأثر بظاهر الكلام. (الخصم) المتخاصمون. (أبلغ) أفصح ببيان حجته. (بذلك) بما ظهر لي من الحجة. (قطعة من النار) أي فهي حرام مآل آخذه إلى النار]
دل هذا الحديث على ما يأتي: أولًا: التحذير الشديد عن الدعوى الباطلة التي يراد منها أكل أموال الناس بالباطل، لما تؤدي إليه من النار وبئس القرار، وأن المخاصمة في الباطل إثم ومعصية، وهو ما ترجم له البخاري. ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم شوال - كان يحكم بين الناس بالحجة الظاهرة من بينة أو يمين تشريعًا للقضاة والحكام في كل العصور والأزمان، فإن أساس القضاء في الإِسلام يعتمد على أصول ثلاث: البينة، اليمين، الإِقرار، أي إقرار الشخص على نفسه بالحق الذي عليه، وهو سيّد الأدلة، ولا يجوز الحكم بغيرها حتى قال بعض أهل العلم: إن القاضي لا يحكم بعلمه، فلو علم حقيقة الأمر في القضية المعروضة عليه في مجلس القضاء لا يحكم بعلمه، وإنما يحيل القضية إلى قاض آخر، ويأتي شاهدًا فيها. والدليل على أن القاضي يحكم بما يظهر له. قوله - شوال:"فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صدق فأقضي له"،وإنما حكم النبي صلى الله عليه وسلم شوال - بذلك ليكون الحكم بالظاهر قاعدة من قواعد القضاء الشرعي في الإِسلام، لأن الحكم باليقين ليس في مقدور البشر، وحقيقة الأمر في صدق أحد الخصمين وكذب الآخر غيب لا يعلمه إلاّ الله، فلا يصلح أن يكون أساسًا للقضاء. ثالثًا: أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا ولا يبيح مظلمة، فمن حكم له بشيء من حق غيره فإنه يحرم عليه أخذه ما دام يعلم أنّه حق غيره، لقوله - شوال:"فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار"وبهذا أخذ الجمهور فقالوا: إن حكم الحاكم لا يحلل الحرام للمحكوم له، سواء كان ذلك في الأموال أو الأعراض، وذهب أبو يوسف ومن وافقه من أهل العلم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال، أو إزالة ملك، أو إثبات نكاح أو طلاق أو ما أشبه ذلك، فهو على ما حكم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، كما أفاده العيني، ولكن حديث الباب حجة عليه. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 367)