فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 3472

هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين. وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم.

ولما مدحهم تعالى بما من به عليهم منّ الصفات الجليلة والمناقب العالية، المستلزمة لما لم يذكر من أفعال الخير -أخبر أن هذا من فضله عليهم وإحسانه لئلا يعجبوا بأنفسهم، وليشكروا الذي منّ عليهم بذلك ليزيدهم من فضله، وليعلم غيرهم أن فضل الله تعالى ليس عليه حجاب، فقال: {ذلك فضْل اللّه يؤْتيه من يشاء واللّه واسعٌ عليمٌ} أي: واسع الفضل والإحسان، جزيل المنن، قد عمت رحمته كل شيء، ويوسع على أوليائه من فضله، ما لا يكون لغيرهم، ولكنه عليم بمن يستحق الفضل فيعطيه، فالله أعلم حيث يجعل رسالته أصلا وفرعا. [1]

تقضّى تحْذيرهمْ منْ أعْدائهمْ في الدّين، وتجْنيبهمْ أسْباب الضّعْف فيه، فأقْبل على تنْبيههمْ إلى أنّ ذلك حرْصٌ على صلاحهمْ في ملازمة الدّين والذّبّ عنْه، وأنّ اللّه لا يناله نفْعٌ منْ ذلك، وأنّهمْ لو ارْتدّ منْهمْ فريقٌ أوْ نفرٌ لمْ يضرّ اللّه شيْئًا، وسيكون لهذا الدّين أتْباعٌ وأنْصارٌ وإنْ صدّ عنْه منْ صدّ، وهذا كقوْله تعالى: إنْ تكْفروا فإنّ اللّه غنيٌّ عنْكمْ ولا يرْضى لعباده الْكفْر [الزمر:7] ،وقوْله: يمنّون عليْك أنْ أسْلموا قلْ لا تمنّوا عليّ إسْلامكمْ بل اللّه يمنّ عليْكمْ أنْ هداكمْ للْإيمان إنْ كنْتمْ صادقين [الحجرات:17] .

فجمْلة يا أيّها الّذين آمنوا منْ يرْتدّ منْكمْ إلخْ معْترضةٌ بيْن ما قبْلها وبيْن جمْلة إنّما وليّكم اللّه [الْمائدة:55] ،دعتْ لاعْتراضها مناسبة الْإنْذار في قوْله ومنْ يتولّهمْ منْكمْ فإنّه منْهمْ [الْمائدة:51] .فتعْقيبها بهذا الاعْتراض إشارةٌ إلى أنّ اتّخاذ الْيهود والنّصارى أوْلياء ذريعةٌ للارْتداد، لأنّ اسْتمْرار فريقٍ على موالاة الْيهود والنّصارى من الْمنافقين وضعفاء الْإيمان يخْشى منْه أنْ ينْسلّ عن الْإيمان فريقٌ. وأنْبأ الْمتردّدين ضعفاء الْإيمان بأنّ الْإسْلام غنيٌّ عنْهمْ إنْ عزموا على الارْتداد إلى الْكفْر.

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 235)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت