فهرس الكتاب
والارْتداد مطاوع الرّدّ، والرّدّ هو الْإرْجاع إلى مكانٍ أوْ حالةٍ، قال تعالى: ردّوها عليّ [ص:33] .وقدْ يطْلق الرّدّ بمعْنى التّصْيير ومنْكمْ منْ يردّ إلى أرْذل الْعمر[النّحْل:
70].وقدْ لوحظ في إطْلاق اسْم الارْتداد على الْكفْر بعْد الْإسْلام ما كانوا عليْه قبْل الْإسْلام من الشّرْك وغيْره، ثمّ غلب اسْم الارْتداد على الْخروج من الْإسْلام ولوْ لمْ يسْبقْ للْمرْتدّ عنْه اتّخاذ دينٍ قبْله.
وجمْلة فسوْف يأْتي اللّه بقوْمٍ إلخْ جواب الشّرْط، وقدْ حذف منْها الْعائد على الشّرْط الاسْميّ، وهو وعْدٌ بأنّ هذا الدّين لا يعْدم أتْباعًا بررةً مخْلصين. ومعْنى هذا الْوعْد إظْهار الاسْتغْناء عن الّذين في قلوبهمْ مرضٌ وعن الْمنافقين وقلّة الاكْتراث بهمْ، كقوْله
تعالى: لوْ خرجوا فيكمْ ما زادوكمْ إلّا خبالًا وتطْمين الرّسول والْمؤْمنين الْحقّ بأنّ اللّه يعوّضهمْ بالْمرْتدّين خيْرًا منْهمْ. فذلك هو الْمقْصود منْ جواب الشّرْط فاسْتغْني عنْه بذكْر ما يتضمّنه حتّى كان للشّرْط جوابان.
وفي نزول هذه الْآية في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إيماءٌ إلى ما سيكون من ارْتداد كثيرٍ من الْعرب عن الْإسْلام مثْل أصْحاب الْأسْود الْعنْسيّ بالْيمن، وأصْحاب طلْحة بْن خويْلدٍ في بني أسدٍ، وأصْحاب مسيْلمة بْن حبيبٍ الْحنفيّ بالْيمامة. ثمّ إلى ما كان بعْد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من ارْتداد قبائل كثيرةٍ مثْل فزارة وغطفان وبني تميمٍ وكنْدة ونحْوهمْ.
قيل: لمْ يبْق إلّا أهْل ثلاثة مساجد: مسْجد الْمدينة ومسْجد مكّة ومسْجد (جؤاثى) في الْبحْريْن (أيْ منْ أهْل الْمدن الْإسْلاميّة يوْمئذٍ) .وقدْ صدق اللّه وعْده ونصر الْإسْلام فأخْلفه أجْيالًا متأصّلةً فيه قائمةً بنصْرته.
وقوْله: يأْتي اللّه بقوْمٍ، الْإتْيان هنا الْإيجاد، أيْ يوجد أقْوامًا لاتّباع هذا الدّين بقلوبٍ تحبّه وتجْلب له وللْمؤْمنين الْخيْر وتذود عنْهمْ أعْداءهمْ، وهؤلاء الْقوْم قدْ يكونون منْ نفْس الّذين ارْتدّوا إذا رجعوا إلى الْإسْلام خالصةً قلوبهمْ ممّا كان يخامرها من الْإعْراض مثْل معْظم قبائل الْعرب وسادتهم الّذين رجعوا إلى الْإسْلام بعْد الرّدّة زمن أبي بكْرٍ، فإنّ مجْموعهمْ غيْر مجْموع الّذين ارْتدّوا، فصحّ أنْ يكونوا ممّنْ شمله لفْظ بقوْمٍ، وتحقّق فيهم الْوصْف وهو محبّة اللّه إيّاهمْ ومحبّتهمْ ربّهمْ ودينه، فإنّ الْمحبّتيْن تتْبعان تغيّر أحْوال