فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 3472

بضمّ الذّال- ضدّ الْعزّ- وبكسْر الذّال- ضدّ الصّعوبة، ولا يعْرف لهذه التّفْرقة سندٌ في اللّغة. والذّليل جمْعه الْأذلّة، والصّفة الذّلّ واخْفضْ لهما جناح الذّلّ من الرّحْمة [الْإسْراء:24] .ويطْلق الذّلّ على لين الْجانب والتّواضع، وهو مجازٌ، ومنْه ما في هذه الْآية.

فالْمراد هنا الذّلّ بمعْنى لين الْجانب وتوْطئة الْكنف، وهو شدّة الرّحْمة والسّعْي للنّفْع، ولذلك علّق به قوْله: على الْمؤْمنين. ولتضْمين أذلّةٍ معْنى مشْفقين حانين عدّي بعلى دون اللّام، أوْ لمشاكلة (على) الثّانية في قوْله: على الْكافرين.

والْأعزّة جمْع الْعزيز فهو الْمتّصف بالْعزّ، وهو الْقوّة والاسْتقْلال»،ولأجْل ما في طباع الْعرب من الْقوّة صار الْعزّ في كلامهمْ يدلّ على معْنى الاعْتداء، ففي الْمثل (منْ عزّ بزّ) .وقدْ أصْبح الْوصْفان متقابليْن، فلذلك قال السّموْأل أو الْحارثيّ:

وما ضرّنا أنّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الْأكْثرين ذليل

وإثْبات الْوصْفيْن الْمتقابليْن للْقوْم صناعةٌ عربيّةٌ بديعيّةٌ، وهي الْمسمّاة الطّباق، وبلغاء الْعرب يغرّبون بها، وهي عزيزةٌ في كلامهمْ، وقدْ جاء كثيرٌ منْها في الْقرْآن. وفيه إيماءٌ إلى أنّ صفاتهمْ تسيّرها آراؤهم الْحصيفة فليْسوا منْدفعين إلى فعْلٍ ما إلّا عنْ بصيرةٍ، وليْسوا ممّنْ تنْبعث أخْلاقه عنْ سجيّةٍ واحدةٍ بأنْ يكون ليّنًا في كلّ حالٍ، وهذا هو معْنى الْخلق الْأقْوم، وهو الّذي يكون في كلّ حالٍ بما يلائم ذلك الْحال، قال:

حليمٌ إذا ما الْحلْم زيّن أهْله ... مع الْحلْم في عيْن الْعدوّ مهيب

وقال تعالى: أشدّاء على الْكفّار رحماء بيْنهمْ [الْفتْح:29] .

وقوْله: يجاهدون في سبيل اللّه صفةٌ ثالثةٌ، وهي منْ أكْبر الْعلامات الدّالّة على صدْق الْإيمان. والْجهاد: إظْهار الْجهْد، أي الطّاقة في دفاع الْعدوّ، ونهاية الْجهْد التّعرّض للْقتْل، ولذلك جيء به على صيغة مصْدر فاعل لأنّه يظْهر جهْده لمنْ يظْهر له مثْله. وقوْله:

ولا يخافون لوْمة لائمٍ صفةٌ رابعةٌ، وهي عدم الْخوْف من الْملامة، أيْ في أمْر الدّين، كما هو السّياق.

واللّوْمة الْواحدة من اللّوْم. وأريد بها هنا مطْلق الْمصْدر، كاللّوْم لأنّها لمّا وقعتْ في سياق النّفْي فعمّتْ زال منْها معنى الْواحدة كما يزول معْنى الْجمْع في الْجمْع الْمعمّم بدخول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت