إنّما كان يجوز أنْ يسمّى بالْكفْر لمّا كان كافرًا، فلمّا خرج عن الْكفْر وصار مسْلمًا لمْ يجزْ أنْ يقال له: كافرٌ ; لأنّه لا يجوز مع ذلك أنْ يسمّى مسْلمًا، فاسْتحال أنْ يسمّى في حالٍ واحدةٍ كافرًا مسْلمًا؛ وقدْ قال الله عزّ وجلّ {إنّ الّذين آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازْدادوا كفْرًا} [النساء:137] ،فأثْبت لهمْ عزّ وجلّ الْإيمان بعْد كفْرهم الّذي كان منْهم ارْتدادًا عن الْإيمان، ولمّا كان ما ذكرْنا كذلك كان معْقولًا أنّ منْ لزمه اسْم معْنًى منْ هذه الْمعاني، ولمْ يزلْ عنْه ذلك الاسْم كان منْ أهْله، ووجب أنْ تقام عليْه عقوبته، وإنّ منْ كان منْ أهْلها في حالٍ، فزال عنْه الاسْم الّذي يسمّى به أهْلها زالتْ عنْه الْعقوبة الْواجبة على أهْل ذلك الاسْم، وقدْ وجدْنا عنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوجب على الرّاجع من الرّدّة من الاسْم ما ذكرْنا منْ رفْع الْقتْل عنْه بذلك، فعن ابْن عبّاسٍ رضي الله عنْهما قال: ارْتدّ رجلٌ من الْأنْصار فلحق بمكّة، ثمّ ندم، فأرْسل إلى قوْمه سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم:هلْ لي منْ توْبةٍ؟ قال: فأنْزل الله عزّ وجلّ: {كيْف يهْدي الله قوْمًا كفروا بعْد إيمانهمْ وشهدوا أنّ الرّسول حقٌّ} [آل عمران:86] إلى قوْله: {إلّا الّذين تابوا منْ بعْد ذلك وأصْلحوا} [آل عمران:89] فكتبوا بها إليْه فاسْترْجع فأسْلم قال أبو جعْفرٍ: فقال أهْل الْمقالة الْأولى: فقدْ وجدْنا في كتاب الله عزّ وجلّ ما يدلّ على ما ذكرْنا، وهو قوْله جلّ وعزّ {إنّه منْ يشْركْ بالله فقدْ حرّم الله عليْه الْجنّة} [المائدة:72] ،فأخْبر عزّ وجلّ أنّه منْ أشْرك بالله عزّ وجلّ حرمه الْجنّة، ولمْ يذْكرْ عزّ وجلّ أنّ رجوعه عنْ شرْكه يخْرجه منْ ذلك حتّى يعود إلى أنْ يكون منْ أهْل الْجنّة. [ص:308] فكان جوابنا له في ذلك بتوْفيق الله عزّ وجلّ وعوْنه أنّه قدْ يجوز أنْ يكون أراد بذلك الشّرْك الّذي يكون منْ أهْله حتّى يموت على ذلك كما قال: عزّ وجلّ في الْآية الْأخْرى {ومنْ يرْتددْ منْكمْ عنْ دينه فيمتْ وهو كافرٌ فأولئك حبطتْ أعْمالهمْ في الدّنْيا والْآخرة} [البقرة:217] الْآية، فبيّن عزّ وجلّ في هذه الْآية أنّه أراد بالْوعيد الّذي فيها منْ يموت على ردّته لا منْ يرْجع منْها إلى الْإسْلام الّذي كان منْ أهْله قبْل ذلك فمثْل ذلك قوْله عزّ وجلّ إنّه منْ يشْركْ بالله فقدْ