وقال السرخسي:"لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا أَهْلَ الشِّرْكِ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ. لِأَنَّ الْفِئَتَيْنِ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى إحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَيَكْثُرُ سَوَادُهُمْ وَيُقَاتِلُ دَفْعًا عَنْهُمْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشِّرْكِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْمُسْلِمُ إنَّمَا يُقَاتِلُ لِنُصْرَةِ أَهْلِ الْحَقِّ، لَا لِإِظْهَارِ حُكْمِ الشِّرْكِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَحَدًا مِنْ الْخَوَارِجِ، مَعَ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنْ الْخَوَارِجِ، إذَا كَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الظَّاهِرُ. لِأَنَّ إبَاحَةَ الْقِتَالِ مَعَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ رَجَعُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْقِتَالِ إذَا كَانَ حُكْمُ الْخَوَارِجِ هُوَ الظَّاهِرُ. وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ، مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ مَعَ الْخَوَارِجِ، الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ. لِأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ الْآنَ لِدَفْعِ فِتْنَةِ الْكُفْرِ، وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا قِتَالٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ، فَالْقِتَالُ هُنَاكَ لِإِظْهَارِ مَا هُوَ مَائِلٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَهَا هُنَا لِإِثْبَاتِ أَصْلِ الطَّرِيقِ." [1]
وقال يُونُسَ: «فِتْنَةُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الْأَزَارِقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ضَلُّوا، وَأَنَّهُمْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِمَا أَحْدَثُوا مِنَ الْبِدَعِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ، وَيُنْكِرُونَ عَذَابَ الْقَبْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَسْتَتِيبَهُمْ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا نَفَاهُمْ مِنْ دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ» [2]
وإذا كنا نحذر من الاستعانة بالخوارج: فإنا نحذِّر تحذيرًا أشد من الاستعانة بغلاة المرجئة؛ وقد كان الإمام العلم إبراهيم النخعي رحمه الله يقول:" «لَفِتْنَتُهُمْ عِنْدِي أَخْوَفُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ فِتْنَةِ الْأَزَارِقَةِ، يَعْنِي الْمُرْجِئَةَ» [3] "
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، يَقُولُ: «لَفِتْنَةُ الْمُرْجِئَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْ فِتْنَةِ الْأَزَارِقَةِ» [4]
وقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «لَآثَارُ فِتْنَةِ الْمُرْجِئَةِ أَخْوَفُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ فِتْنَةِ الْأَزَارِقَةِ» [5]
(1) - شرح السير الكبير (ص: 1515)
(2) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 21) صحيح
(3) - الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 885) (1221) صحيح
(4) - السنة لأبي بكر بن الخلال (3/ 562) (951) صحيح
(5) - السنة لأبي بكر بن الخلال (4/ 137) (1360) صحيح