[السُّؤَالُ] ـ [أنا مواطن من الجزائر الحبيبة أبلغ من العمر 18 سنة في شهر رمضان من العام الفائت أفطرت يومين متعمدًا حيث في اليوم الأول تناولت وجبة السحور وكان الظلام سائدًا فظننت أن أذان الفجر لم يحن بعد، ولكن وبعد التأكد علمت أنني تناولت الوجبة بعد أذان الفجر الثاني فتعمدت إفطار اليوم، وفي اليوم الثاني أفطرت متعمدًا وأنا أعلم بذلك، أنأ أسأل عن كفارة ما فعلت؟] ـ
[الفَتْوَى] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن الفطر في نهار رمضان من أغلظ الذنوب وأكبر الكبائر، وقد ثبت فيه من الوعيد ما يفري الأكباد ويقض المضاجع، فعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم أتاني رجلان، فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا، فقالا: اصعد. فقلت: إني لا أطيقه. فقال: إنا سنسهله لك. فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصوات شديدة. قلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا. قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: الذين يفطرون قبل تحلة صومهم صححه الحاكم والذهبي، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من أفطر عامدًا بغير عذرٍ كان تفويته لها من الكبائر. انتهى.
وقال الحافظ الذهبي رحمه الله: وعند المؤمنين مقرر: من ترك صوم رمضان بلا عذر بلا مرض ولا غرض فإنه شر من الزاني والمكَّاس ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال. انتهى.
فعليك أيها الحبيب أن تتوب إلى الله توبة نصوحًا مصحوبة بالندم البالغ على هذا الذنب العظيم، وثق أنك إذا فعلت فإن الله تعالى سيقبل توبتك ويقيل عثرتك، وعليك مع التوبة قضاء هذين اليومين اللذين أفطرتهما عامدًا، وليس عليك شيء غير القضاء في قول الشافعي وأحمد، وأما مذهبُ أبي حنيفة ومالك فلزوم الكفارة مع القضاء، والصحيح الأول فإن الكفارة إنما تلزمُ في الفطر بالجماع وليس غيره في معناه.
قال النووي في المجموع: فرع في مذاهب العلماء فيمن أفطر بغير الجماع في نهار رمضان عدوانا: ذكرنا أن مذهبنا أن عليه قضاء يوم بدله وإمساك بقية النهار، وإذا قضى يوما كفاه عن الصوم وبرئت ذمته منه، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور العلماء، قال العبدري: هو قول الفقهاء كافة ... وأما الكفارة فيه والفدية فمذهبنا أنه لا يلزمه شيء من ذلك -كما سبق- وبه قال سعيد بن جبير وابن سيرين والنخعي وحماد بن أبي سليمان وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: ما لا يتغذى به في العادة كالعجين وبلع حصاة ونواة ولؤلؤة يوجب القضاء ولا كفارة، وكذا إن باشر دون الفرج فأنزل أو استمنى فلا كفارة، وقال الزهري والأوزاعي والثوري وإسحاق: تجب الكفارة العظمى من غير تفصي، ل وحكاه ابن المنذر أيضًا عن عطاء والحسن وأبي ثور ومالك، والمشهور عن مالك أنه يوجب الكفارة العظمى في كل فطر لمعصية كما حكاه ابن المنذر. انتهى بتصرف.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى] 17 شعبان 1429